
قوانين السلوك التكوينيّة
وضع الخالق تبارك وتعالى – وهو أعلم بأنفسنا منّا – القوانين التكوينيّة والتشريعيّة بغية ارتقاء الروح وسلامة البدن، فكانت شروطًا في السلوك والرشد والكمال، فلا بدّ أن يكون الإنسان في هذا الطريق بصيرًا بالقوانين، فلا يعمل مِن تلقاء نفسه. والله تعالى لم يترك شأنًا مِن شؤوننا إلّا ووضع له قانونًا، سواء في العبادات والمعاملات أو في العلاقات الشخصيّة والاجتماعيّة؛ كالطهارة، وكيفيّة تناول الطعام، وحرمة الموسيقى، وحرمة بعض المشاهد، والحمل والرضاع، وتربية الأولاد، والحثّ على التفكّر والتعقّل، والرِّفقة بين الزوجين، والصداقة، وطاعة المرأة للرجل، وضوابط التواصل الاجتماعيّ، والعمل وفق برنامج العظماء، وغيرها. فمَن تبعها ظهرت عليه آثارها التكوينيّة
قوانين السلوك التكوينيّة
12صحيح أنّ السلطان آبادي كان مِنَ العظماء ومِن أهل المعرفة.. أتعلمون مَن يكون السلطان آبادي؟ كان يعيش في النجف قبل ما يقارب المائة سنة، في زمان المرحوم النائينيّ والمرحوم الشيخ محمّد حسين الكمبانيّ، أو قبلهما، فهو قد جاء بعد عصر الشيخ الأنصاريّ أو ربما كان معاصرًا له. وكان الكثير مِن عظماء النجف يحضرون دروسه في التفسير – أنا إنّما أوضّح لكم هذا الموضوع لكي تعرفوا قدر وقيمة هذه المدرسة الّتي هيّأها لنا العظماء ولكي لا نتعامل مع مبانيها بشكل عابر، هذا هو قصد الحقير مِن ذِكر هذه الحكاية – قال المرحوم النائينيّ: سمعت في بداية شهر رمضان أنّ الآخوند الملّا فتح علِيّ السلطان آبادي، يقيم درسًا لتفسير القرآن في بيته في ليالي شهر رمضان، فقلت سأذهب لأرى ما يتحدّث به الرجل، فقد كانوا يمجّدونه كثيرًا! قال: ذهبت إلى بيته بمعيّة شخص أو شخصين، فوجدنا عددًا لا يتجاوز العشرين أو الثلاثين شخصًا، فشرع بتلاوة آية مِنَ القرآن ثمّ بدأ بتفسيرها لمدّة ساعةٍ كاملة، ولقد فسّرها تفسيرًا [جعلني] أقول عنه عند خروجي: إنّ هذا المعنى لم يخطر على ذهني طوال حياتي، فأيّ تفسير عجيب وجميل قد ذَكره هذا الرجل العظيم! وفي الليلة القادمة ذهبنا إلى بيته أيضًا، فبدأ ببيان الآية نفسها مجدّدًا، ولكنّه فسّرها بشكل آخر، مستنبطًا منها معانٍ أخرى، فتعجّبنا كثيرًا وقلنا: أيّ تفسير هذا، فهو يختلف عن تفسير الليلة الماضية، والحال أنّ الآية هي نفسها، فيا له مِن أمر عجيب! وفي الليلة الثالثة، أخذ بتفسير نفس الآية لمدّة ساعة مِنَ الزمن، ولكن بتفسير آخر أيضًا. واستمرّ الأمر على هذا المنوال في الليلة الرابعة حتّى ثلاثين ليلة.. قد فسّر المرحوم الآخوند الملّا فتح علِيّ السلطان آبادي آيةً واحدة في ثلاثين ليلة مِن ليالي شهر رمضان، وكان التفسير الّذي يُبيّنه في كلّ مجلس يختلف عنه في المجالس الأخرى، وهو أمر يستبعده الذهن كثيرًا. وعند انتهاء المجالس الثلاثين قال الشيخ [سلطان آبادي]: ورد في الروايات المأثورة أنّ للقرآن سبعين بطنًا۱، وقد بيّنتُ حتّى الآن ثلاثين بطنًا منها، أمّا البطون الأربعين الأخرى، فعليكم أن تبحثوا عنها في مكانٍ آخر، أي عليكم أن تذهبوا إلى الإمام لكي يبيّنها لكم، فهو الّذي لديه البطون السبعون.
- روى السيّد العلّامة محمّد حسين الطباطبائيّ في تفسيره، ج۱، ص۷: «إنّ للقرآن ظهرًا وبطنًا ولبطنه بطنًا إلى سبعة أبطن أو إلى سبعين بطنا». وروى السيّد العلّامة محمّد حسين الطهرانيّ في كتاب (الشمس الساطعة)، ص٣۱۸: «إن لِلْقُرآنِ بَطْنَاً وَلِبَطْنِهِ بَطْنَاً إلى سَبْعَةِ أبْطُنٍ، أوْ إلى سَبْعِينَ بَطْنَاً». وخبر (السبعين بطنًا) رواه القونوي في كتبه، منها في (رسالة النصوص)، ص۱٦، ورواه السيّد حيدر الآملي في (المقدمات مِن كتاب نصّ النصوص)، ص۷٢. (م)
