
قوانين السلوك التكوينيّة
وضع الخالق تبارك وتعالى – وهو أعلم بأنفسنا منّا – القوانين التكوينيّة والتشريعيّة بغية ارتقاء الروح وسلامة البدن، فكانت شروطًا في السلوك والرشد والكمال، فلا بدّ أن يكون الإنسان في هذا الطريق بصيرًا بالقوانين، فلا يعمل مِن تلقاء نفسه. والله تعالى لم يترك شأنًا مِن شؤوننا إلّا ووضع له قانونًا، سواء في العبادات والمعاملات أو في العلاقات الشخصيّة والاجتماعيّة؛ كالطهارة، وكيفيّة تناول الطعام، وحرمة الموسيقى، وحرمة بعض المشاهد، والحمل والرضاع، وتربية الأولاد، والحثّ على التفكّر والتعقّل، والرِّفقة بين الزوجين، والصداقة، وطاعة المرأة للرجل، وضوابط التواصل الاجتماعيّ، والعمل وفق برنامج العظماء، وغيرها. فمَن تبعها ظهرت عليه آثارها التكوينيّة
قوانين السلوك التكوينيّة
11فمَن يكون بصحّة جيّدة، يجب عليه أن يصلّي وهو واقف، أمّا مَن كان مريضًا فعليه أن يصلّي وهو جالسٌ. فإن كان المريض مصابًا بانزلاق في الفقرات، فصلاته عن وقوف باطلة، إذ يجب عليه الصلاة وهو جالس أو مضطجع على الفراش.. لماذا تكون صلاته باطلة [عن جلوس]؟ لأنّه قد خالف الحكم الإلهيّ، فالله هو الّذي أراد منه أن يصلّي بذلك الشكل.
كنت قد رافقتُ المرحوم العلّامة مرّات عديدة إلى المستشفى، وكان الأطباء أحيانًا يجيزون له الوضوء، فآتيه بإناء ليتوضّأ، وأحيانًا لا يجيزون له الوضوء، فآتيه بحجرٍ ليتيمّم به. وفي إحدى المرّات جلبتُ له ترابًا ليتيمّم به، فقال الطبيب: ليس مِنَ المناسب وجود التراب في المستشفى. فقال لي المرحوم العلّامة: أخرجه، واجلب لي حجرًا لِأتيمّم به. هذا ما يُسمّى بالعمل المنطقيّ والمطابق للعقل. فقد تعلّقتْ المشيئة الإلهيّة هذه الفترة بأن يكون وضع عبد الله هذا بهذا الشكل، فلا بدّ إذن أن يُعمل وفق القوانين الحاكمة في هذا الوضع، فإن عمِل بخلافها فسيتحمّل مسؤوليّة عمله. لقد صلّى المرحوم العلّامة عدّة مرّات وهو مستلقٍ على الفراش بدون أن يتحرّك، وحصل أن يمَّمْتُه بنفسي عدّة مرّات، لأنّه كان لا يستطيع أن يحرّك يديه، فهل صلاته هذه أدنى درجة مِن صلاته وقوفًا، والّتي تتوفّر فيها كافّة الشروط، وهو يتمتّع بكامل الصحّة والسلامة؟ كلّا، ليس الأمر كذلك، فلا يوجد فرق بين الحالتين.
في أوّل سفر لي إلى الحجّ، كنتُ في السابعة عشر مِن عمري، وكنتُ بمعيّة المرحوم العلّامة، وكان أحد أفراد القافلة معنا، يعاني مِن مرض (الاكزيما) فكان يخرج الدمّ والقيح مِن جسمه، كان الرجل وقورًا جدًّا، ومؤدّبًا ومثقّفًا ومتعلّمًا إلى حدّ ما، فجاء إلى المرحوم العلّامة يومًا عندما كنّا في المدينة ننوي الحركة باتجاه مكّة، وقال له: هذا سفر حجٍّ، ونحن على وشك الإحرام، فكيف علَيّ أن أحجّ والحال هذه، فأنا أعلم أنّ حكمي يختلف عن حكم الآخرين، ولكنّني أودّ أن أؤدّي حجًّا أكون مقتنعًا به، فكيف ألبس الإحرام ووضع جسمي بهذا الشكل، فأرجو أن تدعو لي الله لكي ترتفع عنّي هذه الحالة. فلم يقل المرحوم العلّامة في بادئ الأمر شيئًا، ثمّ نَقل له هذه الحكاية: كان أحد العظماء – ويبدو أنّه كان يقصد المرحوم الحاجّ الملّا فتح علِيّ السلطان آبادي – يعاني مِن نفس ما تعاني منه الآن، فكان مصابًا بيديه، وعندما وصل إلى الميقات ليُحرم توجّه إلى الله وناجاه قائلًا: إلهي، أريد أن لا تنشغل أفكاري في هذا الحجّ بمسائل التطهير وأمثالها، فاجعل حجّي هذا حجًّا بلا مشاكل. ثمّ نظر إلى يديه، وإذا هما سالمتان ليس فيهما أيّ أثر للمرض، فذهب واغتسل وأحرم وأكمل كافّة الأعمال، ثمّ ذهب إلى المدينة ورجع، وعندما وصل إلى نفس المكان الّذي دعا الله فيه، وهو في طريق عودته إلى بيته، عادت إليه الحالة السابقة، فالدم والتقرّحات عادت إلى يديه مرّة أخرى. نقل المرحوم العلّامة هذه الحكاية إلى ذلك الشخص، فقال الرجل: وهذا ما أريده منك، أريدك أن تفعل معي نفس هذا الشيء. فضحك المرحوم العلّامة، وقال له وجهة نظره.
