
حقيقة الإمام المهدي (عج) ودوره المحوري في رحلة التكامل الإنساني وكيفية الارتباط به
انتظار الفرج الحقيقي والمراقبة اللحظيّة: كيف نعيش في حضرة الإمام (عج) ونتغلب على الفتور الروحي؟
ما هو الدور الحقيقي لإمام الزمان (عج) في نظام التربية والتكامل الإنساني، وكيف يؤثّر وجوده المبارك في كل ذرّة من ذرّات الكون؟ كيف نفهم معنى الإمام كـمحوّلة للفيض الإلهي، يوزّعه على الخلائق كلٌّ بحسب سعته؟ ما هو المعنى العميق لانتظار الفرج، وهل يقتصر على مجرّد الأمل السلبي بظهوره، أم أنّه استعداد وتهيّؤ دائم للّقاء؟ كيف تكون المراقبة الدقيقة للنفس وأفعالها هي السبيل للقرب من الإمام (عج) والتغلب على الفتور الروحي والكسل؟ وهل الهدف الأسمى هو مجرد رؤية الإمام (عج) بالعين الظاهرية، أم الوصول إلى حقيقة ولايته وسريانها في وجودنا؟ كيف يمكن لأفعالنا اليومية وقراراتنا الحياتية، كبيرها وصغيرها، أن تعكس انتظارنا الصادق للإمام (عج) وتكون ترجمانًا لرضاه؟ تجيب عن هذه الأسئلة وغيرها هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني، متناولًا فيها أبعادًا عرفانية وتربوية عميقة حول معرفة الإمام المنتظر (عج) وكيفية السير في طريق القرب الإلهي في زمن الغيبة.
حقيقة الإمام المهدي (عج) ودوره المحوري في رحلة التكامل الإنساني وكيفية الارتباط به
4. قصّة النبي موسى عليه السلام والرجل الذي طلب زيادة المحبّة الإلهيّة: خطورة تجاوز السعة
كانَ النبيُّ موسى على نبيّنا وآلهِ وعليهِ السلام ذاهبًا إلى جبلِ الطورِ، فرأى في طريقهِ رجلًا. فقالَ الرجلُ: إلى أينَ أنتَ ذاهبٌ يا موسى؟ قالَ: إنَّني ذاهبٌ إلى جبلِ الطورِ. فقالَ: فلي طلبٌ إلى ربّي. قالَ: وما هو طلبُكَ؟ قالَ: أريدُ أن تطلبَ من اللهِ أن يزيدَ من محبّتهِ في قلبي. فقالَ لهُ النبيُّ موسى عليه السلام: إنَّ ذلكَ ليسَ من مصلحتِكَ. قالَ الرجلُ: وما شأنُكَ أنتَ بذلكَ؟ فما دمتَ ذاهبًا إلى جبلِ الطورِ، فاطلبْ لي هذا الطلبَ من ربّي. فقالَ موسى عليه السلام: حسنًا. وعندما وصلَ النبيُّ موسى عليه السلام إلى جبلِ الطورِ وعرضَ طلبَ ذلكَ الرجل على ربّهِ، قالَ لهُ اللهُ: ما دامَ يريدُ ذلكَ، فقد زدتُ لهُ فيها، فعُدْ وانظرْ ما الذي حصلَ لهُ. وعندما عادَ موسى عليه السلام من جبلِ الطورِ، نظرَ إلى الأشجارِ، فوجدَ أشياءً على الشجرةِ، وقطعًا صغيرةً على الأشواكِ. ثمّ جاءهُ الخطابُ: إنَّنا قد منحنا الرجلَ مقدارًا من محبّتِنا، فتلاشى من الوجودِ، واستقرّتْ كلُّ قطعةٍ منهُ على الأشواكِ.
إنَّني وأنا أذكرُ لكم هذهِ الأمورَ، فأنا أُجيبُ في واقعِ الأمرِ بشكلٍ ضمنيٍّ على السؤالِ التالي أيضًا.
قصّة أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وطلب الأسرار: هل نتحمّل عظمة المقام؟
قالَ المرحوم العلامة [الطهراني] يومًا إنَّ عددًا من الأفرادِ ذهبوا إلى بيتِ الإمامِ الحسينِ عليه السلام؛ فطرقوا البابَ وقالوا: نريدُ الدخولَ، فلنا مع الإمامِ حاجةٌ. فأُذِنَ لهم بالدخولِ. فقد كانوا من أصحابِ الإمامِ المعتمدينَ بحسبِ ما يعتقدونَ، ومن أولئكَ المتميّزينَ الذينَ تمَّ اختيارُهم من بينِ بقيّةِ الناسِ؛ إذ كانوا ممّن لهم القابليّةُ على سماعِ الأسرارِ. وعلى أيّةِ حالٍ، فلم يكونوا من الناسِ العاديّينَ.
تجلّي الله للجبل وصعقة موسى عليه السلام: عظمة التجلّي الإلهي
كمقدّمة لدينا في الرواياتِ أنَّ النبيَّ موسى عليه السلام عندما أرادَ الذهابَ إلى جبلِ الطورِ، {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَـٰتِنَا} ۱ كانَ قد اختارَ من بينِ قومهِ سبعينَ رجلًا لمرافقتهِ. لم يكنْ أولئكَ القومُ من الذينَ لهم القابليّةُ على تحمّلِ الجذباتِ الإلهيّةِ بالطبعِ، بلْ كانوا ممّن يمتلكون القابليّة على فهمِ المسائلِ بشكلٍ أفضلَ، وكانوا من أعلمِ القومِ وأكثرِهم سعةً وقدرةً وبما يمكنُهم من مواكبةِ موسى عليه السلام. ثمّ حصلَ ذلكَ الأمرُ {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا} ٢إنَّ معنى التجلّي هو نزولُ بعضِ الأسماءِ الكلّيةِ الإلهيّةِ على الصورةِ الملكوتيّةِ للجبلِ، من مثلِ اسمِ العليمِ والحيِّ والقديرِ. إنَّ للجبلِ كما لغيرهِ من الموجوداتِ صورةً ملكوتيّةً، ولهُ سعةٌ وجوديّةٌ، ولهُ حياةٌ وفقًا لهذهِ السعةِ؛ فيبقى ثابتًا في مكانهِ نتيجةً لذلكَ. غيرَ أنّهُ لا يمتلكُ المحوّلةَ التي تمتلكُها بقيّةُ الأجهزةِ الكهربائيةِ من تلكَ التي تحترقُ إن تلقّتْ طاقةً كهربائيّةً قويّةً. إنَّ الكهرباءَ التي تخرجُ من محطّةِ توليدِ الكهرباءِ ومن تلكَ المنصوبةِ على السدودِ، هذهِ الكهرباءُ بقوّةِ آلافِ الفولتاتِ، ثمّ تتنزّلُ قدرتُها كلّما انتقلتْ من شبكةٍ إلى أخرى وحتّى تصلَ إلى بيوتِنا بطاقةٍ مقدارُها مئتانِ وعشرونَ فولتًا.
- سورة الأعراف (۷) الآية ۱٥٥.
- سورة الأعراف (۷) الآية ۱٤٣.
