
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
نظرة العرفاء للنصر والهزيمة
هل يتوقّف السير إلى الله تعالى على الخلوّ من المشاكل؟ ما هي الحِكمَةُ من الهَزيمَةِ في سِيرَةِ الأولياءِ؟ أيّ شيءٍ ينبغي على الموحّد الاهتمام به؟ ما هو مَنهَجُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام في التَّعامُلِ مَعَ الخُصومِ؟ لِماذا قالَ الإمامُ فُزتُ ورَبِّ الكَعبَةِ؟ هل ينبغي أن يكون العَمَلُ لِأجلِ الجَزاءِ أم لِأجلِ المَحبوبِ؟ ما هو الدور الذي يلعبه العشق في حركة السالك؟ كَيفَ يَكونُ الأئِمَّةُ عليهم السلام شُفَعاؤُنا؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه للإجابة عنها في هذا المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من حديث عنوان البصريّ.
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
الوصف:
هل يتوقّف السير إلى الله تعالى على الخلوّ من المشاكل؟ ما هي الحِكمَةُ من الهَزيمَةِ في سِيرَةِ الأولياءِ؟ أيّ شيءٍ ينبغي على الموحّد الاهتمام به؟ ما هو مَنهَجُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام في التَّعامُلِ مَعَ الخُصومِ؟ لِماذا قالَ الإمامُ فُزتُ ورَبِّ الكَعبَةِ؟ هل ينبغي أن يكون العَمَلُ لِأجلِ الجَزاءِ أم لِأجلِ المَحبوبِ؟ ما هو الدور الذي يلعبه العشق في حركة السالك؟ كَيفَ يَكونُ الأئِمَّةُ عليهم السلام شُفَعاؤُنا؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه للإجابة عنها في هذا المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من حديث عنوان البصريّ.
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
8مَنهَجُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام في التَّعامُلِ مَعَ الخُصومِ
أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام لا يَبحَثُ عَن سَبَبِ وُجودِ مُعاويَةَ، بل يَبحَثُ عَن أن يَتَصَرَّفَ بِشَكلٍ صَحيحٍ في عَلاقَتِهِ مَعَ مُعاويَةَ، هذا هوَ الأمرُ. قُلتُ ذاتَ يَومٍ لِلرُّفَقاءِ في إحدى الجَلَساتِ: عِندَما جاءَ مُعاويَةُ وقَطَعَ الماءَ... مع أنّ قَطع الماءِ بطبيعة الحال عَمَلٌ غَيرُ رُجولِيٍّ وغَيرُ مُنصِفٍ؛ فإذا كانَت لَدَيكَ القُوَّة، فَاستَخدِم قُوَّتَكَ، لِماذا تَقطَعُ الماءَ؟ أتَرَونَ؟ إنّ كُلَّ حَرَكاتِ السلاطين والسياسِيّينَ وأفكارِهِم مَبنِيَّةٌ عَلى الاِعتِباراتِ والمادِّيَّاتِ، وَالانتِصارِ بِأيِّ شَكلٍ وبِأيِّة طَريقَةٍ، شَيطانِيَّةٍ كانت أم غَيرِ شَيطانِيَّةٍ، فلا فَرقَ لَدَيهِم. فبِمُجَرَّدِ أن يَتَغَلَّبوا بِأيِّ شَكلٍ كان، يَنتَهي الأمرُ! حَسَنًا، هذا عَمَلُ مُعاويَةَ. وفي مُقابِله أمير المُؤمِنينَ عليه السلام، حيث جاؤوا عنده، وقالوا: «يا سيّدي، لَقَد قَطَعوا الماءَ»، فَقالَ عليه السلام: «لَقَد قَطَعوا الماءَ، حَسَنًا، اذهَبوا وخُذوهُ، اذهبوا واسترجعوه!». هَل تَعلَمونَ مَن ذَهَبَ وأخَذَ هذا الماءَ؟ إنّه الإمامُ الحُسَينُ عليه السلام برفقة مجموعة، حيث ذهبوا واستولوا على الماءَ، فكان قائِدُ الجَيشِ الَّذي أخَذَ الماءَ في حَربِ صِفِّينَ هو الإمامُ الحُسَينُ عليه السلام. وعِندَما أخَذوا الماءَ... ولا يخفى أنَّ الإمامَ عليّ عليه السلام قالَ: «سَيَأتي يَومٌ، ويقطع هَؤلاءِ الأشخاصِ بعينهم الماء عن الَّذي ذَهَبَ وفَتَحَ لَهُمُ هذا الماءَ، وعَن زَوجَتِهِ وأطفالِهِ!». هذا الكَلامُ قالَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام في ذَلِكَ اليَومِ. فذَهَبَ الإمامُ الحسين عليه السلام وأخَذَ الماءَ. حَسَنًا، أخَذوهُ، فَقُطِعَ الماءُ عَن مُعاويَةَ وجَيشِه، فَوَقَعَ مُعاويَةُ في القَلَقِ وَالاِضطِرابِ! قالَ عَمرُو العاصِ: «لا تَقلَق، نَحنُ نَعرِفُ عَلِيًّا!». انظُروا! قالَ: «نَحنُ نَعرِفُ عَلِيًّا!». فجاءوا إلى أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام، وجاءَه الأشعَثُ بنُ قَيسٍ وقالَ: «يا عَلِيّ، اقطَعِ الماءَ عَنهُم، ودَعنا نُضَيِّقُ عَلَيهِم». لقد كانَ مُنافِقًا عَجيبًا جِدًّا، حيث كانَ يُريدُ أن يَنفُذَ مِن كُلِّ جانِبٍ إلى أمورٍ مُختَلِفَةٍ، فكُلَّما رأى شَيئًا يَتَّجِهُ نَحوَهُ، وكانَ رَجُلاً عَجيبًا جِدًّا، كما كانَت عائِلَته مُبارَكَةً جِدًّا! هوَ نَفسُهُ جاءَ مَعَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مُلجَمٍ المُرادِيِّ ووردان، فجاء هؤلاء الثَّلاثَة مَعًا، وكانَ الأشعَثُ نَفسُهُ أحَدَ الأفرادِ الَّذينَ ساعَدوا ابنَ مُلجَمٍ في تِلكَ اللَّيلَةِ عَلى قَتلِ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام. كما أنّ ابنه مُحَمَّدُ بنُ الأشعَثِ جاءَ مَعَ ثَلاثَةِ آلافِ مُقاتِلٍ إلى كَربَلاءَ لِقِتالِ الإمامِ الحُسَينِ عليه السلام، وابنَتُهُ أيضًا ـ وهيَ جَعدَةُ زَوجَةُ الإمامِ الحَسَنِ ـ تَسَبَّبَت في تَسميمِه عليه السلام وقَتلِه. عَلى كُلِّ حالٍ، لَدَيهِم مِثلُ هذا السجِلِّ في تاريخِ الإسلامِ. فجاءَ [الأشعث]، وقالَ: «يا عَلِيّ، لِنَقطَعِ الماءَ عليهم، ولِنمنع وصوله إلَيهِم، فالآنَ وبَعدَ أن حَدَثَ هذا، نَحنُ أيضًا لِنَقطَعِ الماءَ عَنهُم»، فَقالَ الإمامُ عليه السلام: «لا! هذا عَمَلٌ غَيرُ شهم! هَذِهِ لَيسَت حَربًا». [قال الأشعث:] «يا عَلِيُّ، لَو فَعَلنا هذا، لانهزم مُعاويَةُ، وكُلُّ هذا المَجيءِ والذَّهابِ وحشد الجُيوشِ، كُلُّ هذا سَيَنتَهي الآنَ». فَقالَ الإمامُ عليه السلام: «لا! لَقَد جِئنا إلى هُنا عَلى أساسِ مذهبيّ، ولا يُمكِنُنا أن نخالفه»، فنحن لَم نَأتِ إلى هُنا لِنَهزِمَ مُعاويَةَ، لا! لَقَد جِئنا إلى هُنا لِنُبيِّنَ لِلعالَمِ مَدرَسَتَنا، وأنَّ مَدرَسَتَنا هيَ مَدرَسَةُ الحُرِّيَّةِ، ولَيسَت مَدرَسَةَ الخِسَّةِ. إذا كان العَدُوُّ في أيدينا، نَترُكُهُ، وإذا كانت لَدَينا قُوَّةٌ، نُقاتِلُه. إنّ الحَقُّ مَعَنا، وفي القتال، إمَّا نَنتَصِرُ وإمّا نُهزَمُ، ولَكِنَّنا لا نَأخُذُ العَدُوَّ بِالخِسَّةِ، فهذا مُخالِفٌ لِذَلِكَ... وحينئذ، ماذا يصبح هذا الإنسان؟ يصبح موحِّدًا، هذا يصبح موحِّدًا. فهكذا يَكونُ الَّذي لا دخالة له في عَمَله وفِعله، ولا يَرى نَفسَهُ فيهِ، ولا يَرى الظَّاهِرَ، بَل ماذا يَرى؟ يَرى اللهَ هُناك. فالله يُريدُ الآن أن يَكونَ مُعاويَةُ، حَسَنًا، فهو تعالى الذي يُريد ذلك، فَليَكُن! تَعالَ، فنَحنُ سنُساعِدُك أيضًا إذا أرادَ، حَسَنًا، يُريدُ الله تعالى ذلك، فليكن! واللهُ تعالى يُريدُ الآنَ أن يَكونَ يَزيدُ، حَسَنًا فَليَكُن، اللهُ يُريدُ الآنَ أن يَكونَ المُتَوَكِّلُ، فَليَكُن، اللهُ يُريدُ أن تَكونَ الحُكومَةُ حُكومَةَ إمامِ الزَّمانِ عَجَّلَ اللهُ تَعالى فَرَجَهُ الشَّريفَ، فَلتَكُن. واللهُ يُريدُ أن نَرى ظُهورَ الإمامِ في زَمانِه عَجَّلَ اللهُ تَعالى فَرَجَهُ الشَّريفَ إن شاءَ اللهُ، فَليَكُن. واللهُ يُريدُ أن يَأخُذَنا مِن هَذِهِ الدُّنيا قَبلَ ظُهورِ الإمامِ عليه السلام، فَليَكُن، ما الفَرقُ؟ لا فَرقَ أبَدًا. نَعَم، نَحنُ نُريدُ بِالطَّبعِ أن نَرى ظُهورَ الإمامِ عليه السلام، ولَكِن لَيسَ بِحَيثُ تَقِفُ هَذِهِ الإرادَةُ في وَجهِ إرادَةِ اللهِ، فَهَذا خَطَأٌ.
