
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
نظرة العرفاء للنصر والهزيمة
هل يتوقّف السير إلى الله تعالى على الخلوّ من المشاكل؟ ما هي الحِكمَةُ من الهَزيمَةِ في سِيرَةِ الأولياءِ؟ أيّ شيءٍ ينبغي على الموحّد الاهتمام به؟ ما هو مَنهَجُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام في التَّعامُلِ مَعَ الخُصومِ؟ لِماذا قالَ الإمامُ فُزتُ ورَبِّ الكَعبَةِ؟ هل ينبغي أن يكون العَمَلُ لِأجلِ الجَزاءِ أم لِأجلِ المَحبوبِ؟ ما هو الدور الذي يلعبه العشق في حركة السالك؟ كَيفَ يَكونُ الأئِمَّةُ عليهم السلام شُفَعاؤُنا؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه للإجابة عنها في هذا المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من حديث عنوان البصريّ.
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
3لا، لا يُمكِنُ أن يَكونَ الأمرُ هَكَذا. فحينَما تَكونُ كُلُّ الأمورِ مُرَتَّبَةً ومُنَظَّمَةً، ولا يَكونُ لَدَينا أيُّ هَمٍّ وغَمٍّ، ولا شَيءَ، حينَئِذٍ نَتَذَكَّرُ اللهَ تَعالى، ونُريدُ أن نَتَحَرَّكَ، ونَشعُرَ بِأنَّ هُناكَ إلَهًا أيضًا، لا! فهذا الإلَهُ سيَقولُ بدوره: «حَسَنًا جِدًّا، لَقَد وَضَعتُموني في آخر القائمة! فينبغي أن تمشي أمورك الحياتيّة، وتَكونُ أوضاعُكَ مُرَتَّبَةً، ولا يَكونُ لَدَيكَ قَلَقٌ في الخارِجِ، وتَكونُ الأمورُ الدَّاخِلِيَّةُ عَلى ما يُرامُ، وكُلُّ شَيءٍ جيّدًا، ثُمَّ تَتَذَكَّرُنا بعد ذلك!!». فهذا نوعٌ [من التعامل مع الله تعالى].
المَعرِفَةُ الحَقَّةُ: اللهُ أوَّلاً وأخيرًا
وهناك نوعٌ آخر يقع على العكس من ذلك! كَما يَقولُ الإمامُ عليه السلام: أن نَستَحضِرَ اللهَ تَعالى في أذهانِنا، ونُفَكِّرَ فيهِ، ونَتَأمَّلَ بِشَأنِهِ، بِحَيثُ يَملأُ هوَ وَحدَهُ كُلَّ وُجودِنا وقَلبِنا. وحينئذ، إذا أُصْلِحَتِ شؤوننا الخارِجِيَّةُ، فَبِها ونعمت، وإذا لَم تُصلُح، لا يهمّ! فما شَأنُنا بِذَلِكَ؟ وما عَلاقَتُنا بِه؟ اليَومَ لَم يَبِعِ المَصنَعُ شيئًا، فَما شَأني أنا؟ هَل أنا هو المَصنَعُ؟ هَل أنا هو الآلَةُ؟ هَل أنا هو مُنتَجاتُ هذا المَصنَعِ؟ فاليَومَ لَم تُبَع منتجاتُ هَذِهِ المَزرَعَةُ أو هذا البُستانُ، حسنًا، فليكن ذلك، إنّما منتجات تلك المزرعة أو البُستان هي التي لَم تُبَع، ولست أنا كي أحزَنَ بأنّه لِماذا لَم تَتَغَيَّر بِضاعَةُ دُكَّاني اليَومَ؟ لماذا لَم تَنقُص؟ هَلِ انتَبَهتُم إلى ما أُريدُ قوله؟ لَم يَكُنِ الأمرُ عَلى ما يُرامُ اليَومَ، حَسَنًا، فليكن ذلك! المهمّ هو أن أرى: ما هي الوضعيّة التي يُمكِنُ أن تكونَ لي هُنا في هذا المقام؟ وأيّة مَكانَةٍ يُمكِنُ أن تَكونَ لي هُنا؟ فإذا لم يُصغِ فُلانٌ اليَومَ إلى كَلامي، هَل يَنبَغي لي أن أفقدَ صَوابي، وأن أرى شَخصِيَّتي وكأنّها تُداسُ بِالأقدامِ، وأنّها تَضمَحِلُّ؟! إنّما يرجع هذا إلى ضعف النفس، وسَبَبُهُ ضَعفُ النَّفسِ. وإذا لَم يَعمَل فُلانٌ اليَومَ بِما قُلتُهُ، هَل يَنبَغي أن أكونَ اليَومَ حَزينًا؟! وهَل يَنبَغي أن يَنصَرِفَ فِكري وخَيالي اليَومَ إلى تِلِكَ الحالة؟! وهَل يجب أن تَختَلِف صَلاتي وصيامي عَنِ الأمسِ؟! وتختَلِفُ تلاوتي للقُرآنُ عَنِ البارحة؟ لا! هذا فَراغٌ للشَّخصِيَّةِ، وفَراغٌ للهُوِيَّةِ؛ في حين أنّ هُوِيَّةُ الإنسانِ وشَخصِيَّتُهُ أسمى مِن هذا.
