
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
نظرة العرفاء للنصر والهزيمة
هل يتوقّف السير إلى الله تعالى على الخلوّ من المشاكل؟ ما هي الحِكمَةُ من الهَزيمَةِ في سِيرَةِ الأولياءِ؟ أيّ شيءٍ ينبغي على الموحّد الاهتمام به؟ ما هو مَنهَجُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام في التَّعامُلِ مَعَ الخُصومِ؟ لِماذا قالَ الإمامُ فُزتُ ورَبِّ الكَعبَةِ؟ هل ينبغي أن يكون العَمَلُ لِأجلِ الجَزاءِ أم لِأجلِ المَحبوبِ؟ ما هو الدور الذي يلعبه العشق في حركة السالك؟ كَيفَ يَكونُ الأئِمَّةُ عليهم السلام شُفَعاؤُنا؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه للإجابة عنها في هذا المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من حديث عنوان البصريّ.
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
15ماءُ الوِلايَةِ لا يَشرَبُهُ إلاَ أهلُ المَحَبَّةِ
رَحِمَ اللهُ جَدَّنا الحاجّ مُعينَ الشِّيرازِيّ، فقَد رَوى لي القصّة التالية مَرَّتَينِ: مَرَّةً في محضر المَرحومِ العَلاّمَةِ، ومَرَّةً أُخرى كَذا، فقال لي بأنّه ذَهَب ذات سنةٍ إلى مَكَّةَ، بِرُفقَةِ صِهرِه الَّذي لا يَزالُ عَلى قَيدِ الحَياةِ، وبِرُفقَةِ شَخصٍ أوِ اثنَينِ مِن أولَئِكَ الأفرادِ الَّذينَ كانوا في مَسجِدِ القائِمٍ وتوفّوا أيضًا رَحِمَهُمُ اللهُ، وكانوا أُناسًا طَيِّبينَ، فقال: «ذات يوم، حيث كانَ الجَوُّ حارًّا في أواخِرَ الرَّبيعِ، وفي أيَّامَ الحَجِّ، ذَهَبنا إلى غارِ ثَورٍ»، وهو الغارِ ذاته الَّذي لَجَأ إلَيهِ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله في طَريقِهِ إلى المَدينَةِ عِندَما خَرَج في تِلكَ اللَّيلَةِ بِرُفقَةِ أبي بَكرٍ. ثمّ قال: «صَعِدنا [الجبل] لِمُدَّةِ ساعَةٍ». وأنا أيضًا ذَهَبتُ إلى سَفحِ ذَلِكَ الجَبَلِ ولَكِنّني لَم أصعَده، ورُبَّما يَستَغرِقُ الأمرُ حَوالَي ساعَتَينِ أو ساعَةً ونِصف عَلى الأقَلِّ حَتَّى يَصِلَ الإنسانُ إلى ذَلِكَ الغارِ، وطَريقُهُ شَديدُ الانحِدارِ، وقد ذَهَبتُ إلى أسفَلِهِ. فكانَ يَقولُ: «صَعِدنا لِمُدَّةِ ساعَةٍ تَقريبًا، والجَوُّ حارٌّ، حيث كانَ وَقتَ ما بَعدَ الظُّهرِ.. السَّاعَةَ الثَّالِثَةَ أوِ الرَّابِعَةَ بَعدَ الظُّهرِ، فغَلَبَ عَلَينا العَطَشُ لِدَرَجَةِ أنَّنا فَقَدنا قِوانا، وجَلَسنا هَكَذا، أي جَلَسنا نَحنُ الأربَعَةُ». وكانَ أحَدُ هَؤلاءِ الأربَعَةِ ذلك السيِّدَ، نَفسُ السيِّدِ الَّذي قالَ للمَرحومِ العَلاَمَةِ الأمينِيِّ: «ما المُشكِلَةُ إذا لَم تَكُن لَدَينا مَحَبَّةٌ لِأبي الفَضلِ عليه السلام؟».. أحَدُهُم كانَ هوَ. قال [الحاج معين الشيرازيّ]: «لَقَد فَقَدنا قِوانا، ولَم نَعُد قادِرينَ عَلى الحَرَكَةِ مِن شِدَّةِ العَطَشِ، ولَم نَكُن نَعلَمُ ماذا نَفعَلُ، فالماءُ الَّذي كانَ لَدَينا نَفِدَ، حيث كنّا قد وَضَعنا ثَلجًا في مُبَرِّدٍ وحَمَلناهُ مَعَنا، فذابَ هذا الثَّلجُ بِسَبَبِ شِدَّةِ حَرارَةِ الشَّمسِ، وشَرِبناهُ، ونَفِدَ، حيث ذابَ الثَّلجُ في هَذِهِ الأوعِيَةِ ونَفِدَ، وفَقَدنا قِوانا. فَجأةً، انتَبَهنا، فَرَأينا عَلى مَسافَةِ خَمسينَ مِترًا مِنَّا شابًّا عَرَبِيًّا جالِسًا وفي يَدِهِ شَيءٌ، فالتَفَتَ إلَينا وضَحِكَ. لقد كانَ عَرَبِيًّا فَرَأيناهُ يَتَحَدَّثُ الفارِسِيَّةَ أو كانَ يَتَحَدَّثُ العَرَبِيَّةَ، لا! عَفوًا، كانَ يَتَحَدَّثُ العَرَبِيَّةَ. قالَ: "أنتُم إيرانِيّونَ؟". تَعَجَّبنا. قالَ: "يَبدو أنَّكُم عُطاشى، ويَبدو أنَّ العَطَشَ قَد أضعَفَكُم، تَعالَوا إلى هُنا، فلَدَيَّ ماءٌ"، هذا، مع أنّنا لَم نَرَهُ، فلَم نَرَ هذا الشَّخصَ من قبل، وقد كُنَّا نَسيرُ في هذا الطَّريقِ! فقُمنا، وكانت تفصل بيننا وبينه خَمسونَ مِترًا، لكن، كَأنَّ قُوَّةً قَد دَبَّت فينا، فجِئنا وجَلَسنا عِندَهُ، وكُنَّا جَميعًا قَد فَقَدنا قِوانا ـ انتَبِهوا ـ». قالَ [الحاجَّ آقا مُعينَ الشِّيرازِيَّ]: «كانَ لَدَيهِ وِعاءٌ مُحاطٌ بِالحَصيرِ وأمثال ذلك، ففَتَحَهُ وسقانا منه، فسقاني أنا أوَّلاً فَشَرِبتُ. ولَم أشرَب في حَياتي ماءً كَذلك الماء، ثمّ قالَ ذلك الشابّ: "اِشرَب عَلى وَلايَةِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ". فشَرِبنا، فَكَأنَّنا طِرنا، بل وأصبَحنا في حالٍ عَجيبٍ، وصار لَدَينا حالٌ ومِزاجٌ آخَرُ، ثمّ سقى صِهرَي الشَّخصَ التَّالي، وقالَ له: "اِشرَب عَلى وَلايَةِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ"، فَشَرِبَ هوَ أيضًا. وهكذا سقى الثَّالِثِ، إلى أن وصل إلى الرَّابِعِ الذي قال: "أنا لا أريد!". عَجَبًا! قالَ: "أنا لا أريد!" قالَ له: "ألا تَشرَبُ؟". قالَ: "لا، أنا مُرتوٍ!".. نفس ذلك الرجل الَّذي كانَ قَد فَقَدَ قِواهُ!! فقالَ ذلك الشابّ بدوره: "لا تُريدُ، حَسَنًا جِدًّا"، فأغلَقَ الوعاء، وودّعنا، ونَزَلَ إلى الأسفل».
