
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
نظرة العرفاء للنصر والهزيمة
هل يتوقّف السير إلى الله تعالى على الخلوّ من المشاكل؟ ما هي الحِكمَةُ من الهَزيمَةِ في سِيرَةِ الأولياءِ؟ أيّ شيءٍ ينبغي على الموحّد الاهتمام به؟ ما هو مَنهَجُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام في التَّعامُلِ مَعَ الخُصومِ؟ لِماذا قالَ الإمامُ فُزتُ ورَبِّ الكَعبَةِ؟ هل ينبغي أن يكون العَمَلُ لِأجلِ الجَزاءِ أم لِأجلِ المَحبوبِ؟ ما هو الدور الذي يلعبه العشق في حركة السالك؟ كَيفَ يَكونُ الأئِمَّةُ عليهم السلام شُفَعاؤُنا؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه للإجابة عنها في هذا المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من حديث عنوان البصريّ.
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
12جاءَ أحدهم عند رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وقالَ: «يا رَسولَ اللهِ، لماذا عِندَما نَكونُ في محضرك، يَكونُ حالُنا ومِزاجُنا مُختَلِفين تَمامًا، وكَأنَّه لَيسَ لَدَينا زَوجَةٌ ولا وَلَدٌ ولا تَعَلُّقٌ ولا دُكَّانٌ ولا مُلكٌ ولا شيءٌ آخر. ففي الأساس، عِندَما نَكونُ مَعَكَ نَكونُ مُختَلِفينَ تَمامًا، بحيث نتمكّن أن نُعطِيَ كُلَّ ما في جُيوبِنا بِسُهولَةٍ جِدًّا، ونَمُدُّ أيديَنا إلى جُيوبِنا بكلّ يُسرٍ، ونُنفِقُ بسهولةٍ بالغةٍ، وبِسُهولَةٍ جِدًّا نَستَطيعُ أن نَتَجاوَزَ التَّعَلُّقاتِ عِندَما نَجلِسُ مَعَكَ؛ ولَكِن، بِمُجَرَّدِ أن نَخرُجَ من عندك، ونقضي ساعَةً أو ساعَتَينِ مَعَ هذا وذاكَ، لا يَبقى لَدَينا هذا الحالُ؛ وحينئذ، عِندَما نُريدُ أن نَمُدَّ أيديَنا إلى جيبِنا، فَإنَّها تَدخُلُ إلى هذا الجَيبِ بِصُعوبَةٍ بَعضَ الشَّيءِ!». فَقالَ النبي صلّى الله عليه وآله [ما معناه]: «لَو بَقيتُم عَلى هَذِهِ الحالَةِ أربَعينَ يَومًا لَرَأيتُم مَلَكوتَ السَّماواتِ والأرضِ».۱
حَسَنًا، أنتَ تُشارِكُ في مَجلِسِ عَزاءِ سَيِّدِ الشُّهَداءِ، وتحضر مَجلِسِ مُصابه عليه السلام، فيُغَيِّر اسمُه وحالُهُ حالَكَ؛ ففي ذَلِكَ الوَقتِ، إذا جاءك شَخصٌ وقالَ: «يا سيّدي، أُريدُ قَرضًا بِخَمسينَ ألفَ تومانٍ»، فَإنَّكَ تُعطيهِ إيّاه فَورًا. ولَكِن، بِمُجَرَّدِ أن يَمُرَّ يَومانِ، وتذهبُ إلى هُنا وهُناكَ، فإنّك تَقولُ: «دَعني أُفَكِّرُ الآنَ، لِأرى هَل أستَطيعُ ذلك!». حَسَنًا، حالاتُ الإنسانِ مُختَلِفَةٌ، وبوسعه أن يَختَبِرَ نَفسَهُ. كانَ المَرحومُ العَلاَمَةُ يَقولُ: اختَبِروا أنفُسَكُم، وانظُروا: هَلِ ازدادَ عِشقُكُم ومَوَدَّتُكُم لِلهِ تعالى ولِطَريقِه عَنِ العامِ الماضي، أم نَقَصَ؟ هَل هوَ أكثَرُ مِنَ الشَّهرِ الماضي، أم أقَلُّ؟ هَل هوَ أكثَرُ مِن سِتَّةِ أشهُرٍ مَضَت، أم أقَلُّ؟ اختَبِروا أنفُسَكُم، وامتَحِنوها؛ فإذا رَأيتُم لا! في العامِ الماضي كُنتُم تَستَطيعونَ تخطّي الأمورِ بِشَكلٍ أفضَلَ، وكُنتُم تقدرون على تَجاوُزَ المَوانِعِ بِشَكلٍ أحسن، وكُنتُم تَتمكّنون من مُواجَهَة المَوانِعِ والعوائق بِنحوٍ أفضَلَ، وأمّا الآنَ، فلا، فَفَكِّروا في ماذا حَدَثَ في هذا العامِ، وراجِعوا أعمالَكُم، وادرُسوا حالاتِكُم، لِماذا؟ لِأنَّ المِعيارَ في المتناول، حيث وَضَعوا هذا المِعيارَ في أيدينا.
المَحَبَّةُ إكسيرُ الحَياةِ ومُحَوِّلَةُ النُّحاسِ ذَهَبًا
تَقولُ الآيَةُ الشَّريفَةُ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.٢ إذا أرَدتُم أن تُحِبُّوا اللهَ فَاتَّبِعوني، يَعني أنّ المَحَبَّة وَالاِتِّباع مُتَلازِمانِ وتوأمان؛ فمَن يُحِبُّ أحَدًا يَتبَعُه، ويَطلُبُ رِضاه. وحينَئِذٍ، إذا تحقّق ﴿فَاتَّبِعوني﴾، سيتحقّق ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. ومن هما، فإنّ المَحَبَّةَ لازِمَةٌ لِلطَّريقِ، وبِدونِها لا يُطوى هذا الطَّريقُ.
- المولى محمّد صالح المازندرانيّ، شرح أصول الكافي، ج ١٠، ص ١٤٨:
عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، وعدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعًا، عن ابن محبوب، عن محمّد بن النعمان الأحوال، عن سلام بن المستنير قال: «كنت عند أبي جعفر (عليه السلام): فدخل عليه حمران بن أعين، وسأله عن أشياء، فلمّا همّ حمران بالقيام، قال لأبي جعفر (عليه السلام): «أخبرك أطال الله بقاءك لنا وأمتعنا بك، أنّا نأتيك، فما نخرج من عندك، حتّى ترقّ قلوبُنا وتسلو أنفسُنا عن الدنيا، ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثمّ نخرج من عندك، فإذا صرنا مع الناس والتجّار أحببنا الدنيا.
قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): "إنّما هي القلوب مرّة تصعب ومرّة تسهل"، ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام): "أمّا إنّ أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) قالوا: يا رسول الله نخاف علينا النفاق قال: فقال: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إذا كنّا عندك فذكرتنا ورغبتنا وجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا حتى كأنّا نُعاين الآخرة والجنّة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل، يكاد أن نحول عن الحال التي كنّا عليها عندك، وحتّى كأنّا لم نكن على شيء؛ أ فتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا؟ فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): كلاّ، إنّ هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا، والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها، لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء"». المعرّب - سورة آل عمران (٣)، الآية ٣۱.
- المولى محمّد صالح المازندرانيّ، شرح أصول الكافي، ج ١٠، ص ١٤٨:
