
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
نظرة العرفاء للنصر والهزيمة
هل يتوقّف السير إلى الله تعالى على الخلوّ من المشاكل؟ ما هي الحِكمَةُ من الهَزيمَةِ في سِيرَةِ الأولياءِ؟ أيّ شيءٍ ينبغي على الموحّد الاهتمام به؟ ما هو مَنهَجُ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام في التَّعامُلِ مَعَ الخُصومِ؟ لِماذا قالَ الإمامُ فُزتُ ورَبِّ الكَعبَةِ؟ هل ينبغي أن يكون العَمَلُ لِأجلِ الجَزاءِ أم لِأجلِ المَحبوبِ؟ ما هو الدور الذي يلعبه العشق في حركة السالك؟ كَيفَ يَكونُ الأئِمَّةُ عليهم السلام شُفَعاؤُنا؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه للإجابة عنها في هذا المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من حديث عنوان البصريّ.
دور المحبّة والعشق في السير إلى الله تعالى
11ـ مِن أينَ تَكسِبُ المالَ؟
ـ مِن أيِّ مَكانٍ كانَ.
ـ ما هو الذي يدفعك نحو هذا الأمر؟
يَقولُ: «أنا في الأساس أُحِبُّكَ، ولَدَيَّ مَوَدَّةٌ لَكَ، وأُريدُ في الأساس أن أكونَ مَعَكَ، فإذا قُلتَ لي: "اعمَل"، سأعمَلُ». فيأتي ذَلِكَ الشَّخصُ، ويَختَبِرُهُ ويَمتَحِنُهُ ويُقَلِّبُهُ ويُقَيِّمُهُ سَنَتَينِ أو ثَلاثَ سَنَواتٍ أو عِدَّةَ سَنَواتٍ، فَيَرى أنَّهُ لا! هوَ هَكَذا حقًّا. فهو لا يَتَوَقَّعُ مِنهُ شَيئًا بتاتًا، وهو في الأساس... . وبحقّ، أيّ شُعورٍ سيمتلكه ذَلِكَ المَسؤولِ تُجاهَ هذا الشخص؟ هَل سيُعطيهِ فَقَط مِائَةَ ألفِ تومانٍ كراتِب؟ أم لا، سيُقَرِّبُهُ إلَيهِ، ويَجعَلُهُ مَوضِعَ مَحَبَّتِهِ، ويُدخِلُهُ بَيتَهُ، ويُعطيهِ مِفتاحَ المَصنَعِ، ويُطلِعُهُ عَلى أسرارِه، ويجعل المكتب والسجّلات تحت يده، ويضعُ مثلاً أعمالَ الناس والمُوَظَّفينَ وكل هَذِهِ الأمورَ تَحتَ تَصَرُّفِهِ، ويَرى أنَّ حِسابَ هذا الشخص في الأساس مُختَلِفٌ. فما حقيقة هذا الأمرُ؟ إنّه يَعودُ إلى المَحَبَّةِ؛ لأنّ المَحَبَّةُ تَجلِبُ الاِتِّحادَ.
المَحَبَّةُ شَرطُ الحَرَكَةِ
يَقولُ الإمامُ السَّجَّادُ عليه السلام: عَلى الرَّغمِ مِن أنَّ لَدَيَّ مَعرِفَةً بِكَ يا إلَهي، وهَذِهِ المَعرِفَةُ لم تُبقِ في قَلبي أحَدًا غَيرَكَ، ولَكِن بِدونِ مَحَبَّةٍ، لا أستَطيعُ أن أتَحَرَّكَ نَحوَكَ. مَتى تَجذِبُ مَعرِفَتي وعَمَلي نَظَرَكَ؟ عِندَما تَشعُرُ أنَّ هذا العَمَلَ الَّذي أقومُ بِهِ مِن أجلِكَ هوَ لِأنّي أُحِبُّكَ. فلِأنَّني مُحِبٌّ وأُحبّكَ، وأرى وجود عَلاقَةً بَيني وبَينَكَ، سعيتُ للقيام بِهَذا العَمَلِ. هُنا، يَنقَلِبُ نَظَرُ اللهِ تجاهَ هذا العَبدِ. عندما يَقولونَ إنَّ الجَذبَةَ ضَرورِيّةٌ في السُّلُوكِ إلى اللهِ، هذا هوَ مَعناهُ. فالسَّالِكُ المَجذوبُ هوَ السَّالِكُ الَّذي بِالإضافَةِ إلى أنَّهُ يُطَابقُ نَفسَهُ مع ذَلِكَ الطَّريقِ مِن خِلالِ العَمَلِ بِالتَّعليماتِ والبَرامِجِ [السلوكيّة]، فَإنَّ حالَةَ الجَذبِ والمَحَبَّةِ والعِشقِ والمَوَدَّةِ لِلهِ تَعالى هيَ الَّتي تُحَرِّكُهُ وتَدفَعُهُ نَحوَ ذَلِكَ الاِتِّجاهِ. فإذا لَم تَكُن حالَةُ العِشقِ هَذِهِ مَوجودَةً، فَإنَّ العَمَلَ لن يُؤثّر أبدًا. ولهذا، كانَ المَرحومُ العَلاَمَةُ يَقولُ: «في الطَّريقِ إلى اللهِ، لا تَنظُروا إلى أعمالكم، بل انظُروا كَم أصبَحَت مَوَدَّتُكُم لِلطَّريقِ؟ وكَم هوَ عِشقُكُم لِطَريقِكُم، وكَم َ هي مَحَبَّتُكُم لِمَدرَسَتِكُم، وما هو مقدار استِقامَتُكُم وثَباتُكُم.. انظُروا إلى ذَلِكَ». فكانوا يَسألونَهُ أحيانًا: «يا سيّدي، في بَعضِ الأوقاتِ نَحسّ بِالتَّعَبِ، أو نَشعُرُ بِالكَسَلِ والرُّكودِ، فلا نَستَطيعُ أن نُؤَدِّيَ أعمالنا كَما يَنبَغي أن نؤدّيها»، فَكانَ يَقولُ: «كلاّ! لَيسَ هذا هوَ المِعيارُ، انظُروا: هَلِ ازدادَت مَوَدَّتُكُم عَنِ العامِ الماضي أم نَقَصَت؟ هَلِ ازدادَت مَحَبَّتُكُم لِلهِ أم نَقَصَت؟ هَل تَبذُلونَ المَزيدَ مِن أجلِ اللهِ أم الأقَلَّ؟». بوسع الإنسان أن يَختَبِرَ نَفسَهُ، ألَيسَ كَذَلِكَ؟ فهَل تَستَطيعونَ أن تبذلوا المزيد من العفو مِن أجلِ اللهِ أم أنّ ذلك صار أقلّ؟ يَستَطيعُ الإنسانُ أن يَشعُرَ بِهَذا الأمرِ. حَسَنًا، حالاتُ الإنسانِ مُختَلِفَةٌ. فلنفترض أنّ الإنسانَ في وَضعٍ خاصٍّ، حيث يَحدُثُ أحيانًا أن تَختَلِفَ حالاتُ الإنسانِ.
