
قيمة المعرفة ومراتبها
العلاقة بين المعرفة والحبّ
ما هو الشرط الأساسي للكمال الإنساني وكيف نمتحن الناس بعقولهم لا بمظاهرهم؟ كيف تكون المعرفة طريقًا للحبّ الإلهي وما هي مراتبها؟ تستعرض هذه المحاضرةُ هذه الأفكار مع قصص توضيحيّة.
قيمة المعرفة ومراتبها
5كان قد خرج من السجن، فذهب المرحوم العلّامة لزيارته وأخذ معه قارورةً من عطر قمصر، عطر الورد. فقد ذهب لزيارته بعد أيّامٍ قليلةٍ من خروجه من السجن. وعندما ذهب لزيارته وقدّم له العطر، بدأ هذا الرجل يبكي، وبدأت الدموع تنهمر من عينيه وقال: «يا سيّد محمد حسين، منذ أن خرجت من السجن لم يأتِ أحدٌ لزيارتي، أنت أوّل إنسانٍ يزورني ويُحضر لي قارورة عطر» فهل تلتفتون! هذه هي القضيّة، هذه هي المسألة.
لهذا السبب كان المرحوم العلاّمة ينادي بأعلى صوته: اكتسبوا المعرفة، تعلّموا، لا تذهبوا إلى أيّ مكانٍ ولا تفعلوا كذا في كلّ مكانٍ. هذا لأجل ذلك إذ أنَّ الإنسان ينظر إلى الظاهر والعمامة والحنك المتدلّي والذكر والتسبيح والسجّادة وكلّ هذه الأمور المرتّبة جيّدًا، ولكن ما الخبر في هذا الباطن؟ ما الخبر في هذا القلب؟ ما الخبر؟ هذه الأمور لا يعرفها الإنسان.
ميزان التفاضل الحقيقي: كيف نمتحن الناس بعقولهم؟
يقول الإمام السجّاد عليه السلام في تلك الرواية العجيبة جدًّا: «لا تنظروا إلى أعمالهم الظاهريّة، فالكثيرون يقومون بهذه الأعمال أيضًا، لا تنظروا إلى أعمالهم، لا تنظروا إلى سلوكهم، لا تنظروا...»، وفي النهاية يقول الإمام عليه السلام اذهبوا وامتحنوا عقولهم، وما مدى عقولهم؟۱ فما مدى تطابق كلامهم مع الموازين؟ والكلمات التي يقولونها ما مدى متانتها؟ هل هي منطبقةٌ على المعايير؟ وما مدى انطباقها على المعايير؟ ما مدى انسجام هذه الأحاديث مع الموازين؟ في النهاية، لا يمكن أن يكون جانبٌ من إنسانٍ صحيحًا وجانبٌ آخر خاطئًا، فإذا كان كلام إنسانٍ منطقيًّا، فإنَّ هذا المنطق يسري في جميع أعماله وسلوكه. إذا كان كلام إنسانٍ متينًا، فإنَّ هذه المتانة في الكلام ـ بحسب مراتبها الخاصة ـ تظهر في جميع علاقاته. ليس فقط في مكانٍ واحدٍ ويغفل في مكانٍ آخر، لا، تلك المتانة وذلك العقل يظهران في كلّ مكانٍ. الإمام السجّاد عليه السلام يقول: «انظروا إلى عقله، ما مدى عمل عقله؟ الكلام الذي يقوله ما مدى مطابقته للواقع؟ هل يتكلّم بكلامٍ ناضجٍ؟ أم بكلامٍ غير ناضجٍ؟ هل يتكلّم بكلامٍ موزونٍ؟ أم بكلامٍ غير موزونٍ؟ اذهبوا وانظروا إلى هذا». فهذا ما يُسمّى بالمعرفة.
- بحار الأنوا، ج ٢ص ٨٤: قال الرضا عليه السلام: قال علي بن الحسين عليهما السلام: إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويدا لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه فنصب الدين فخًّا لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه. وإذا وجدتموه يعف عن المال الحرام فرويدا لا يغرنكم فإن شهوات الخلق مختلفة فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرمًا.
فإذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدًا لا يغركم حتى تنظروا ما عقدة عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع، ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله، فإذا وجدتم عقله متينًا فرويدًا لا يغرّكم حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله؟
أو يكون مع عقله على هواه؟ وكيف محبته للرئاسات الباطلة وزهده فيها فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة يترك الدنيا للدنيا، ويرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة.
- بحار الأنوا، ج ٢ص ٨٤: قال الرضا عليه السلام: قال علي بن الحسين عليهما السلام: إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويدا لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه فنصب الدين فخًّا لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه. وإذا وجدتموه يعف عن المال الحرام فرويدا لا يغرنكم فإن شهوات الخلق مختلفة فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرمًا.
