
قيمة المعرفة ومراتبها
العلاقة بين المعرفة والحبّ
ما هو الشرط الأساسي للكمال الإنساني وكيف نمتحن الناس بعقولهم لا بمظاهرهم؟ كيف تكون المعرفة طريقًا للحبّ الإلهي وما هي مراتبها؟ تستعرض هذه المحاضرةُ هذه الأفكار مع قصص توضيحيّة.
قيمة المعرفة ومراتبها
15أصحاب الحسين عليه السلام: هل طلبوا الجنّة أم طلبوا الحسين عليه السلام؟
أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام لم يأتوا إلى الإمام الحسين عليه السلام من أجل الجنّة، بل جاؤوا من أجل الإمام الحسين عليه السلام نفسه. لو كانوا قد جاؤوا من أجل الجنّة، لما كان لذلك قيمةٌ، لا قيمة له. المزاح الذي كانوا يتفوّوهون به مع بعضهم البعض كان مزاحًا، لا تأخذوه على محمل الجدّ. مثلًا، مسلم بن عوسجة رحمه الله في تلك الليلة كان يمزح قائلًا: «غدًا سنذهب ونحظى بلقاء الحور العين»، وكانوا يضحكون معًا. كلّ هذا كان مزاحًا...! هم كانوا يُريدون الإمام الحسين عليه السلام فقط. ولو قيل لهم: «حسنًا، أنتم تُريدون الحور العين، حسنًا، فاذهبوا، فليس لكم شأنٌ بالإمام الحسين عليه السلام؟» هل كان الإمام الحسين عليه السلام سيقول اذهبوا؟ لو قال لهم الإمام الحسين عليه السلام: «أنا أضمن لكم الجنّة، فانهضوا هذه الليلة، ليلة عاشوراء، واذهبوا إلى نسائكم وأطفالكم»، هل كانوا سيذهبون أم لا؟ «أضمن لكم الجنّة، ألا تُريدون الجنّة؟ والقيامة أيضًا بيدي. والحاكم في القيامة هو أنا، وقسيم الجنّة والنار هو أنا، أبي هو قسيم الجنة والنار، ألم يقل أمير المؤمنين عليه السلام: «أَنَا قَسِيمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ»؟ أنا أضمن لكم الجنّة، يا حبيب، يا مسلم، يا برير، يا عابس، يا أبا الفضل، يا أخي، يا بَنِيّ! أنا أضمن لكم الجنّة يوم القيامة، أنا الإمام، فمن أعلى منّي؟» لو كتب الإمام عليه السلام رسالةً لكلّ واحدٍ منهم يقول فيها: «اذهبوا واتركوني وحدي، اذهبوا»، هل كانوا سيذهبون أم لا؟ لا! لم يكونوا ليذهبوا، كانوا سيقولون: «ماذا نُريد بالجنة؟» عندما كان زهير رحمه الله يقول: «لو قطّعوني ألف مرةٍ وأحرقوني وفعلوا برمادي كذا وكذا، ثم لو أحيوني مرّةً أخرى لما تركتك»، هل كان ذلك من أجل الجنّة؟ من أجل ماذا كان؟ هذا يقول: «نريد أن نكون معك، لا تأخذنا من عندك، أينما تُريد...، فليأخذونا وليقتلونا وليُبقونا أحياءً وليأسرونا وليفعلوا ما يشاؤون». لهذا السبب وقفوا حتى النهاية، وقالوا: «نحن نُريد الإمام الحسين عليه السلام، لا نُريد الجنّة ولا حورها ولا غلمانها، لا نُريد شيئًا». هذه المحبّة وهذه المعرفة بسيّد الشهداء عليه السلام أوجدت فيهم ارتباطاً، أوجدت فيهم تعلّقًا بحيث لو جاؤوا في تلك اللحظة وقالوا لهم عن مراتب الجنّة: «سنأخذكم إلى هنا ولا شأن لكم بهذا الإمام الحسين عليه السلام». لقالوا: «تلك جهنّم بالنسبة لنا، أيّ جنّةٍ هذه التي يقولون عنها: اذهبوا أنتم إلى تلك الجنة! أنحن نترك الإمام عليه السلام هنا وحده؟ لا يمكن، هل يمكن شيءٌ كهذا؟ أن نتركه وحده، أن ننفصل عنه، ننفصل عنه!» لماذا يكونون كذلك؟ لأنهم لم تكن لديهم معرفةٌ بالإمام الحسين عليه السلام، بل بآثار الإمام الحسين عليه السلام، الجنّة والنعم في الجنّة وما إلى ذلك، هذه كلّها آثارٌ. كانت لديهم معرفةٌ بالإمام الحسين عليه السلام. كانت لديهم معرفةٌ بالإمام الحسين عليه السلام نفسه، كانت لديهم معرفةٌ بالولاية. يقول: «حتّى لو قطّعتموني ألف مرةٍ فافعلوا، عشرة آلاف مرّةٍ فافعلوا، مائة ألف مرّةٍ فافعلوا، مليون مرّةٍ... افعلوا ما تشاؤون. لديّ جسدٌ واحدٌ، فافعلوا به ما تشاؤون، تعالوا! جاهي أصلًا هو لكم، أنتم لا تستطيعون أن تمسّوني، لا تستطيعون أن تمسّوا محبّتي للإمام الحسين عليه السلام. هل تريدون جسدي؟ تعالوا، هل تُريدون أن أقطّعه بنفسي وألقيه أمامكم؟» حسنًا، لم يفعل ذلك، فهذا مُخالفٌ للشرع. وإلا لقال: «ماذا تُريدون؟ هل تُريدون أن أقتل؟ تعالوا! نطلق رصاصةً واحدةً، تفضّلوا، هل ارتحتم الآن؟ هل ارتاح بالكم؟» لا! هو يقول: «لا تستطيعون أن تمسّوني، إن كنتم تستطيعون بمسدّساتكم وقوّتكم وبنادقكم وسهامكم ورماحكم وسيوفكم وسكاكينكم وما إلى ذلك، إن كنتم تستطيعون أن تمسّوني، أن تُغيّروني، أن تقطعوا هذه الصلة، فتعالوا وافعلوا». ألم يقل الإمام عليه السلام نفسه؟ قال: «وهل يعدو بكم الأمر أن تقتلوني؟!»۱، الإمام عليه السلام نفسه قال ذلك. قال: أنتم لا تستطيعون أن تسلبوا منّي حريتي، لا تستطيعون أن تسلبوا مني طريقي، لا تستطيعون أن تسلبوا مني مساري. تتعاملون مع جسدٍ واحدٍ، تعالوا وافعلوا ما تشاؤون. أصحاب الإمام الحسين عليه السلام كانوا كذلك. كانوا مجانين بالإمام الحسين عليه السلام. أصلًا كانوا مجانين بالإمام الحسين عليه السلام. أصلًا تجاوزت القضيّة مرحلة العشق، وطبعًا هذا يحتاج إلى توضيحٍ وأنّه كيف يكون كذلك.
- لمعات الحسين، ص: ٢٩: وأقبل الحرّ بن يزيد يُساير الإمام و لا يُفارقه و هو يقول له:يَا حسين! إنّي أُذكِّركَ اللهَ في نفسكَ، فإنّي أشهَد لَئن قاتلتَ لَتُقْتَلَنَّ.فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَفَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُنِي؟! وَ هَلْ يَعْدُو بِكُمُ الْخَطْبُ أنَّ تَقْتُلُونِي؟!وَسَأَقُولُ كَمَا قَالَ أَخُو الْاوْسِ لِابْنِ عَمِّهِ وَ هُوَ يُرِيدُ نُصْرَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ؛ فَخَوَّفَهُ ابْنُعَمِّهِ وَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ فَإنَّكَ مَقْتُولٌ».فَقَالَ:
سَأَمْضِي وَ مَا بِالْمَوْتِ عَارٌ عَلَى الْفَتَى *** إذَا مَا نَوَى حَقّاً وَ جَاهَدَ مُسْلِمَا وَ وَاسَى الرِّجَالَ الصَّالِحِينَ بِنَفْسِهِ *** وَ فَارَقَ مَثْبُوراً وَ خَالَفَ مُجْرِمَا فَإنْ عِشْتُ لَمْ أَنْدَمْ وَ إ نْ مِتُّ لَمْ أُلَمْ *** كَفَى بِكَ ذُلّا أَنْ تَعِيشَ وَ تُرْغَمَا
- لمعات الحسين، ص: ٢٩: وأقبل الحرّ بن يزيد يُساير الإمام و لا يُفارقه و هو يقول له:يَا حسين! إنّي أُذكِّركَ اللهَ في نفسكَ، فإنّي أشهَد لَئن قاتلتَ لَتُقْتَلَنَّ.فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَفَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُنِي؟! وَ هَلْ يَعْدُو بِكُمُ الْخَطْبُ أنَّ تَقْتُلُونِي؟!وَسَأَقُولُ كَمَا قَالَ أَخُو الْاوْسِ لِابْنِ عَمِّهِ وَ هُوَ يُرِيدُ نُصْرَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ؛ فَخَوَّفَهُ ابْنُعَمِّهِ وَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ فَإنَّكَ مَقْتُولٌ».فَقَالَ:
