
المعرفة مفتاح الوصول إلى الله
قيمة مدرسة العرفان الحق
ما هو دور اليقين في العمل والالتزام؟ كيف تقام مجالس أولياء الله وهل يدعون الناس ليحتشدوا في مجالسهم أم لا؟ لماذا بحث كبار العلماء كصدر المتألهّين والشيهد مطهّري وغيرهم عن المعرفة بالله بعد طيّهم للمراتب العلميّة؟ ما هو الفارق بين مدرسة أولياء الله وغيرها من حيث الهدف؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة، وتوضح النعمة العظيمة التي ينالها أتباع هذه المدرسة بالمقارنة بسائر المدارس.
المعرفة مفتاح الوصول إلى الله
8وهل اللذة التي يشعرون يها لا نشعر بها نحن؟! كلاّ، بل نشعر بها أفضل منهم، من قال ذلك؟! يعني فقط هم يستمتعون ولا أحد آخر يستمتع؟! كلاّ يا عزيزي! هذا الكلام ليس صحيحًا. إذن، ما هذا الأمر الذي يجعل بعض الناس يختارون هذا المسار والطريق لحياتهم في هذه الدنيا؟! وبعضهم يختار هذا الجانب؟! ما هي هذه القضيّة؟! ليس هناك إلاّ أمر واحد، وهو أنّه إن كان هناك عقل، فهو في هذا الجانب لا في الجانب الآخر، وإن كان هناك إدراك، فهو في هذا الجانب لا في ذاك، ليس في ذاك الجانب.
قصة: بشر الحافي والتحوّل بكلمة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
كان الإمام موسى بن جعفر عليه السلام يمرّ في المدينة، فسمع صوت لهو ولعب، وكان هناك شخص واقفًا بجانب الباب، يصفّق ويرقص، ففي ذلك الوقت كانت المجالس مليئة باللهو. فقال الإمام: «بيت من هذا؟» فقال: «بيت بشر» فقال الإمام: « أعبد هو أم حرّ؟» قال: «يا سيّدي، إنّه حر. انظر إلى منزله وأثاثه، إنّه حر.» فقال الإمام: «لأنّه حر يفعل هذه الأمور، فلو كان عبدًا لما فعل ذلك أبدًا.» انظروا كم هي هذه العبارة عجيبة! «لو كان عبدًا لما فعل هذه الأمور.» فعندما يذهب ذلك الشخص إلى داخل المنزل، يسأله بشر: «ماذا فعلت؟» فقال: «مرّ شخص من هنا، وسأل عن الضوضاء هنا، فشرحت له الأمر، فقال: لو كان هذا عبدًا لما فعل هذه الأمور!»۱
فأثّر هذا الكلام في نفس بشر إلى درجة أنّه ركض حافيًا خلف الإمام، كما كان في المجلس، ركض إلى حيث كان الإمام، ولذلك يقال له بشر الحافي، وترك كلّ شيء وأصبح من كبار العرفاء، وتلميذًا للمدرسة العرفانيّة.
فهل فقد بشر عقله؟! هل فقد ذكاءه؟! أم أنّه استعاد عقله للتوّ، وأدرك للتوّ أنّه كان مجنونًا، وغبيًّا، ومختلاًّ، وحائرًا حتّى تلك اللحظة؟! هنا نقول: إن كان الطريق في مكان آخر فلنقصده، حسنًا، فلنذهب ونرى.
هل تبيع معرفتك بمليارات الدنيا؟!
في يوم من الأيام، جاء أحد هؤلاء الرفقاء إلى هنا، منذ مدة، وكان يتحدث عن بعض المسائل، وعن بعض القضايا، ووصل حديثنا إلى هذا، فقلت له: «يا عزيزي، فيما يتعلق بهذه الأمور التي أدركتها، إلى أيّ حد ترى نفسك ثابتًا ومستقيمًا وراسخًا في هذه المسائل؟ إلى أيّ حد؟ فهل أنت مستعد أن يأخذوا منك هذه الأمور التي حصلت عليها، وأن يعطوك، على سبيل المثال، ثروة أحد الأثرياء المعروفين في طهران، أو في إيران، على سبيل المثال؟ افترض ثروةً كبيرة. وقل عدّة مليارات، فمن يمتلكها يعيش مرتاحًا حتّى نهاية عمره، فلنفترض هذا المقدار الآن.
- نور ملكوت القرآن ص ٢۱۱: كان بشر الحافي أوّل أمره يتعاطى الخمر و مشغولًا بصحبة الغواني و استماع الأغاني و الطرب و المجون، حتى اتّفق يوماً - كما يذكر العلّامة الحلّيّ في كتاب «منهاج الكرامة» - أن كان الإمام الكاظم. موسى بن جعفر عليهما السلام يجتاز على داره ببغداد فسمع الملاهي و أصوات الغناء و الرقص و الناي تعلو من داره، و خرجت أثناء ذلك جارية بالقُمامة تريد إلقاءها خارج الدار، فسألها الإمام:
«يَا جَارِيَةٌ! صَاحِبُ هَذَا الدَّارِ حُرٌّ أمْ عَبْدٌ؟!»
فَقَالَتْ: بَلْ حُرٌّ.
فَقَالَ عَلَيْهِ السلام: «صَدَقْتِ لَوْ كَانَ عَبْداً، خَافَ مِنْ مَوْلَاهُ.»
فدخلت الجارية الدار، و كان مولاها على مائدة السُّكْر، فقال لها. ما أبطأك؟
فقالت: حدّثني رجل بكذا و كذا.
فخرج بشر مُسرعاً حافياً حتى لحق بمولانا الإمام الكاظم عليه السلام، فاعتذر منه و بكى و تاب على يده.*
*«منهاج الكرامة» ص ۱٩، الطبعة الحجريّة. و ذكر في «روضات الجنّات» ص ۱٣٢ و ۱٣٣، الطبعة الحجريّة، أحوال بشر بالتفصيل، و ذكر لتوبته طريقاً آخر. و نقل عنه صاحب «الكشكول»: مَنْ ضَبَطَ بَطْنَهُ ضَبَطَ الأعْمَالَ الصَّالِحَةَ كُلَّهَا. وبنقل ابن خلّكان المؤرِّخ المشهور: عُقُوبَةُ العَالِمِ في الدُّنْيَا أنْ يُعْمَي بَصَرُ قَلْبِهِ.
وبنقله أيضاً: مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا فَلْيَتَهَيَّأ لِلذُّلِّ.
ومن طرائف كلماته: حَسْبُكَ أنَّ قَوْماً مَوْتَي تَحْيَا القُلُوبُ بِذِكْرِهِمْ، وَ أنَّ قَوْماً أحْيَاءً تَقْسُو القُلُوبُ بِرُؤْيَتِهِمْ. و. اجْعَلِ الآخِرَةَ رَأسَ مَالِكَ، فَمَا أتَاكَ مِنَ الدُّنْيَا فَهُوَ رِبْحٌ.
ومن أحفاد بشر الحافي الشيخ أبونصر عبدالكريم محمّد الهارونيّ الديباجيّ المعروف بسبط بشر الحافي، و جاء في «رياض العلماء» أنّه كان من علماء الإماميّة.
توفّى بشر في بغداد يوم عاشوراء سنة ٢٢٦ هـ. ق، و عمره ۷٦ سنة. و قد ذكر الشيخ العطّار أحوال بشر في «تذكرة الأولياء» ص ۱۰٥ إلى ۱۱٢، و يقول في جملتها. لم ينتعل بشر من شدّة غلبة مشاهدة الحقّ تعالى فسُمِّي بالحافي، قيل له. لم لا تنتعل! أجاب. كنتُ حافياً يوم اصطلحنا، فأنا أستحيي أن أضع في قدمي نعلًا.
ونقلوا أنّه لم يشرب قطّ من بئر حفره السلاطين؛ قال أحد الكبار المعروفين. كنتُ عند بشر، و كان البرد قارصاً شديداً، فوجدته عارياً يرتجف؛ قلتُ. يا أبا نصر! الناس في هذا الوقت يُكثرون الثياب و أنت تخلعها؟!
قال: ذكرتُ البائسين و لا مال عندي فأواسيهم، فأحببت مواساتهم ببدني.
وقد أورد المحدِّث القمّيّ أحوال بشر الحافي في كتاب «الكني و الألقاب» أيضاً، ج ٢، ص ۱٥۰ إلى ۱٥٢، و في كتاب «هديّة الأحباب» ص ۱٢٣؛ و ذكره المدرّس في «ريحانة الأدب» ج ٢، ص ۱٦ إلى ۱۸.
- نور ملكوت القرآن ص ٢۱۱: كان بشر الحافي أوّل أمره يتعاطى الخمر و مشغولًا بصحبة الغواني و استماع الأغاني و الطرب و المجون، حتى اتّفق يوماً - كما يذكر العلّامة الحلّيّ في كتاب «منهاج الكرامة» - أن كان الإمام الكاظم. موسى بن جعفر عليهما السلام يجتاز على داره ببغداد فسمع الملاهي و أصوات الغناء و الرقص و الناي تعلو من داره، و خرجت أثناء ذلك جارية بالقُمامة تريد إلقاءها خارج الدار، فسألها الإمام:
