
المعرفة مفتاح الوصول إلى الله
قيمة مدرسة العرفان الحق
ما هو دور اليقين في العمل والالتزام؟ كيف تقام مجالس أولياء الله وهل يدعون الناس ليحتشدوا في مجالسهم أم لا؟ لماذا بحث كبار العلماء كصدر المتألهّين والشيهد مطهّري وغيرهم عن المعرفة بالله بعد طيّهم للمراتب العلميّة؟ ما هو الفارق بين مدرسة أولياء الله وغيرها من حيث الهدف؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة، وتوضح النعمة العظيمة التي ينالها أتباع هذه المدرسة بالمقارنة بسائر المدارس.
المعرفة مفتاح الوصول إلى الله
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلَّى اللهُ عَلَى سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد
وعلى آله الطّیبین الطّاهرین واللعنة عَلَى أعدائِهِم أجمَعینَ
«إلهي ربيتني في نعمك وإحسانك صغيراً ونوّهت باسمي كبيراً، فيا من رباني في الدنيا بإحسانه وتفضله ونعمه، وأشار لي في الأخرى إلى عفوه وكرمه، معرفتي يا مولاي دليلي عليك وحبّي لك شفيعي إليك.»
قيمة المعرفة وأثرها
عبارة «فيا من رباني في الدنيا بإحسانه وتفضله ونعمه» يمكن قراءتها بطريقتين: «فيا من رباني»، يمكننا القول إنّ هذه العبارة في محل مفعول به لفعل مقدّر۱ مثل: "أدعو" أو "أخصّ" أو "أعني"، فيصبح معنى العبارة: "فأدعوك يا من ربّاني في الدنيا بإحسانه وتفضّله"، إذن أنا أدعوك. وبما أنّ الأمر كذلك، وبما أنّك ربيتني في نعمك وفي إحسانك، وجعلت اسمي محمودًا بين الناس وأعظمت شأني، فبما أنّ الأمر كذلك، فإنّني أدعوك وألتجئ إليك يا من أنت بهذه الصفة.
ويمكننا القول أيضاً إنّ «فيا من رباني في الدنيا»، هذا النداء، بمثابة علّة للجملة اللاحقة، أي أنّ هذا المنادى بمثابة علّة، ويمهّد للجملة التي تليه من باب أن تعليق الحكم بالوصف يشعر بالعليّة٢، فأصبح هنا بمثابة تعليل للجملة اللاحقة، وهي: «معرفتي يا مولاي»، أي يا من ربّيتني في الدنيا، وأشرت إلي وهديتني في الآخرة إلى عفوك، لهذا السبب «معرفتي دليلي عليك»، وتلك هي معرفتي.
تقدّم ليلة أمس أنّ الله تعالى قد ربّى الجميع على نفس النسق وبما يتوافق مع إرادة كلّ إنسان، وتربيته بيده سبحانه، وهو الذي ينمّي، وهو الذي يهيّئ للإنسان سبيل الهداية.
وتقدّم ليلة أمس أيضًا أنّه لو وَضعنا أنفسنا مكان الآخرين ـ أولئك الذين استولت عليهم الدنيا، وخدعتهم جواذب الدنيا، وحرمتهم من نعمة القرب من الله ـ لو وضعنا أنفسنا مكانهم الآن، في هذه اللحظة، فلنجر مقارنة بيننا وبينهم، فهل نحن الآن، ونحن هنا، عاجزون عن الوصول إلى تلك الجواذب والملذّات التي يتمتّع بها الآخرون؟! هل قيّدت أيدينا؟! لا! لم يقيّد أحد أيدينا، وهل حبسنا أحد هنا؟! هل حُبسنا بالإجبار هنا؟! وهل أحكم أحد سيطرته على فكرنا ونفوسنا بقوى غير عاديّة أو تسخير إرادي منه؟! لا! أنا لم أفعل شيئًا كهذا، ولا أعلم إن كان شخص آخر قد فعله هنا، فأنا لم أفعل ذلك، أي أنّي لا أجيد هذه الأمور، لا أجيدها ولا أقوم بها. لم يحبس أحد أحدًا هنا، ولم يأتِ أحد بأحد بالإجبار. فليقف الآن من جاء منكم هنا بالإجبار، لنرى من جاء إلى هنا بالإجبار؟! ولم تُرسَل بطاقة دعوة لأحد، فمن أُرسلت إليه فليقف! لقد أرسلت للجميع، لكن ليس بهذه الدعوة الظاهريّة! لو لم تُرسَل، لما جئنا أنا وأنت إلى هنا، فنحن نقصد هذه الدعوة الظاهريّة، ولم يُشجّع أحد عليها.
- يجوز في اللغة العربية حذف الفعل ومع ذلك المجيء بمفعول به له وعند إعراب المفعول به نقول: مفعول به للفعل المقدّر. (م)
- قاعدة لغويّة وأصوليّة تفيد أنّ المتكلّم إذا حكم بحكم وجعل هذا الحكم ينصبّ على وصف من الأوصاف فإنّه يدلّ نحو دلالة ولو ضعيفة على أنّ هذا الوصف هو العلّة لحكمه، فمثلاً لو قال أكرم العالم أشعر بأنّ العلّة للإكرام هي العلم، ولم يكن هذا دليلاً قطعيًّا على ذلك كقوله أكرم فلانًا لأنّه عالم. ولو قال أيّها العالم أحبّك، أشعر أنّ علّة حبّه هو كونه عالمًا. وفي هذه الجملة التي في الدعاء الوصف المعلّق عليه الحكم هو التربية صغيرًا في الإحسان والنعم، والحكم المعلول هو كون المعرفة هي الدليل، فحيث إنّك يا ربّ ربّيتني صارت معرفتي بك دليلاً لي عليك. (م)
