
كيفيّة التربية الإلهيّة وقانون العبوديّة الواحد
الفقر الذاتي عند المعصوم عليه السلام
لماذا تختلف ردود الأفعال تجاه حقيقة واحدة؟ وهل كلّ ما يأتينا من الله هو فضل أم استحقاق؟ وكيف يشمل قانون الفقر الذاتيّ الأنبياء كما يشملنا؟ وما هو واجبنا الحقيقي كعبيد للّه؟ تكشف هذه المحاضرة عن أسرار التربية الإلهيّة وتضع ميزانًا دقيقًا لمعرفة حقيقة العبوديّة.
كيفيّة التربية الإلهيّة وقانون العبوديّة الواحد
11كان الإمام السجاد عليه السلام يتيم الأم منذ البداية، ثمّ نشأ وأُحضرت له مرضعة، وتربّى في حجر الإمام عليه السلام وتحت تلك التربية والمعارف التي لقّنه إياها. ومن جملة ما قاله له، وهو موجود في الكُتب الآن، هذه الوصيّة التي تقشعر لها الأبدان: «يا بُنَيَّ، وأعزِزْ نَفسَكَ عَنْ كُلِّ دَنيَّةٍ وإنْ ساقَتكَ إلى الرَّغائِبِ، فإنَّكَ لَنْ تَعتاضَ بِما تَبذُلُ مِنْ نَفسِكَ عِوَضًا.»۱ يا بنيّ! يقول للإمام السجاد عليه السلام: «أعزز نفسك وكبّرها عن كلّ دناءة وعمل وضيع في الدنيا مهما كان. فكلّ تواضع أو انحناء أو تملّق هو ذلّة ودناءة. أعزز نفسك عن كلّ عمل قبيح حتّى لو أوصلك إلى الرغائب والغنائم التي لا نهاية لها. والرغيبة هي المال ذو القيمة الكبيرة، وليلة الرغائب هي الليلة التي تأتي فيها تلك العطايا والهدايا القيّمة من الله». لماذا؟ «فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضًا». أي أنّك مهما تحصل على شيء، فلن يكون عوضًا عمّا بذلته؛ فعزّة النفس التي فقدتها، والمناعة التي أضعتها، والعظمة التي تخلّيت عنها، لن تجد لها بديلًا!
انظروا الآن إلى أهل الدنيا، يفكّرون في كلّ شيء إلّا في عزّة أنفسهم، ومتانتهم، ورفعتهم، من أجل حطام الدنيا! حقًّا إنّ كلمات الإمام الحسين عليه السلام عجيبة جدًّا.
وهذا الإمام السجّاد عليه السلام الذي ترعرع في حجر الإمام الحسين عليه السلام، وها هو الآن يقول لنا دعاء أبي حمزة الثُمالي: «فيا من ربّاني في الدنيا بإحسانه.» أنت ربّيتني في الدنيا بإحسانك، وأعطيتني أبًا مثله، وأعطيتني أمًّا ثمّ أخذتها منّي، وكبّرتني في طفولتي وربّيتني في حجره، فأصبحت أنا الآن زين العابدين عليّ بن الحسين، الإمام السجّاد. ألم يكن الله قادرًا على أن يغير هذه القطعة في رقعة الشطرنج؟ ألم يكن يستطيع أن يضع إنسانًا آخر مكان الإمام السجّاد، أيّ رجل عاديّ، لا نقول شمرًا أو يزيدَ؟! إذن، من الواضح أنّ الإمام السجّاد عليه السلام يقول الحقيقة، فهو لا يمثّل تمثيلاً، بل رأى الحقيقة، ونحن أيضًا نرى الحقيقة.
لو أراد الله أن يبدّل النبيّ صلّى الله عليه وآله بأبي سفيان، فهل يستطيع أم لا؟! قولوا فورًا: نعم، كان يستطيع. ولو أراد أن يبدّل أمير المؤمنين عليه السلام بآخر، بابن ملجم، فيصبح ابن ملجم هو أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين هو ابن ملجم المرادي، لاستطاع.
- نهج البلاغة (عبده) ج ٣، ص ٥١: و أكرم نفسَك عن كل و فية و إن ساقتكَ إلى الرغائب فإنّك لَن تَعتاضَ بما تَبذُلُ من نفسِكَ عَوِضاً.
- نهج البلاغة (عبده) ج ٣، ص ٥١: و أكرم نفسَك عن كل و فية و إن ساقتكَ إلى الرغائب فإنّك لَن تَعتاضَ بما تَبذُلُ من نفسِكَ عَوِضاً.
