
حب الرئاسة ومخاطرها
قصص وعبر في استخدام الدين للدنيا
لماذا يُعَدُّ طلب الرئاسة خطرًا على السالك؟ وكيف يمتحن الله عباده بالمناصب؟ ما الفرق بين طاعة مالك الأشتر واجتهاد الربيع بن خثيم؟ وما هي علامات الإخلاص الحقيقيّ للّه في مقابل التديّن المزيّف؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة كاشفةً عن دقائق آفات النفس في طريق الكمال.
حب الرئاسة ومخاطرها
الوصف:
لماذا يُعَدُّ طلب الرئاسة خطرًا على السالك؟ وكيف يمتحن الله عباده بالمناصب؟ ما الفرق بين طاعة مالك الأشتر واجتهاد الربيع بن خثيم؟ وما هي علامات الإخلاص الحقيقيّ للّه في مقابل التديّن المزيّف؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة كاشفةً عن دقائق آفات النفس في طريق الكمال.
حب الرئاسة ومخاطرها
3ولكن، يوجد قانون في العالم الآخر. هنا في الدنيا قد لا نُحاسَب، لكنّنا سنُحاسَب هناك. «لماذا ألقيت بنفسك من فوق السطح؟ ولماذا فعلت ذلك؟ ولماذا أضعت وقتك في ما لا يفيد؟». فهل رأيتم يومًا حكومة تسنّ قانونًا تُغرِّم بموجبه من يقرأ الصحف من الصباح حتّى المساء؟ أو في بلدٍ متحضّر جدًّا، هل يقولون: «كل من لا يقرأ عشر صفحات أو خمس عشرة صفحة يوميًّا، فيجب أن يدفع غرامة قدرها كذا؟!» فلا يوجد مثل هذا الأمر في أيّ مكان في العالم. فما علاقة الحكومة بذلك؟ لا علاقة للحكومة بهذه القضيّة، فهي مسألة شخصيّة.
فلو أنّ إنسانًا قضى وقته من الصباح إلى المساء يشاهد فيلمًا لا تساوي مائة ساعة منه درهمًا واحدًا، فإنّه يهدر وقته فحسب، وليس لدينا قانون يسمح للحكومة بوضع عدّاد لتسجيل أنّ فلانًا قضى عشر ساعات من أفضل أوقاته ـ التي كان يجب أن يصرفها في أفضل الأعمال من أجل تكامله ـ في مشاهدة أفلام تافهة. ولكن عندما نذهب إلى العالم الآخر، وأول ما يُفتح من سجلاتنا، يُقال لنا: «في يوم كذا، لماذا شاهدت هذا الفيلم؟» فنقول: «يا ربّ، لم يحاسبنا أحد في الدنيا، أفتحاسبنا أنت هنا؟ هناك، كانوا يفرضون علينا ضرائب حتى على أنفاسنا ويضعون لنا العدّادات، ولم يقولوا شيئًا، فماذا تفعل أنت الآن؟». فيقول الله تعالى: «لا شأن لنا بذلك العالم، فله حسابه وقانونه الخاصّ به. وحسابنا نحن معك أنت.» هناك، كانوا يتعاملون مع فعلك من حيث جانبه الاجتماعي، ولم يكن لهم شأن بك أنت. فلو كان الرجل الآليّ هو من قام بذلك الفعل بدلًا عنك، لغُرِّم الرجل الآليّ وجُلِد وقُدِّم إلى المحاكمة. في ذلك العالم، كانوا يتعاملون مع فعلك الخارجي، لا معك أنت، سواء أكنت أنت الفاعل أم صنعت تمثالًا يشبهك، أو كنت بلا روح، فلا فرق.
لماذا يُعَدُّ طلبُ الرئاسةِ فراغًا للعقلاء؟
والمصيبة تكمن هنا، فالحكومات في هذه الدنيا... هل تذكرون ما قيل للرفقاء في جلسات شرح حديث عنوان البصري حول حكومة الإمام صاحب الزمان عليه السلام والفرق بينها وبين سائر الحكومات؟ وهل تذكرون الفروق التي ذكرناها هناك بين حكومة الإسلام الحقيقيّة وسائر حكومات العالم، حتّى الديمقراطيّة منها؟ كان أحد تلك الفروق ـ وأهمّها ـ هو أنّه في حكومة الإسلام الحقيقيّة ـ أي حكومة النبي صلّى الله عليه وآله، وحكومة أمير المؤمنين عليه السلام، وحكومة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام التي لم يسمح له معاوية بالوصول إليها، وحكومة سيّد الشهداء عليه السلام... ـ لماذا ثار سيّد الشهداء عليه السلام؟ لقد قال: «إنّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلا بَطِراً وَلا مُفْسِداً وَلا ظالِماً، وَإنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ.»۱ يقول الإمام عليه السلام أنا لم آتِ لأحكمكم، فلتذهب حكومتكم إلى الجحيم، بل أتيت لأحيي المعروف فيكم أيّها الموتى و البائسون الغافلون عن حقيقة الحياة. ونقرأ في زيارته عليه السلام: «أشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ أَقَمْتَ الصَّلاةَ وَآتَيْتَ الزَّكاةَ.» فنحن نشهد أنّك استشهدت من أجل إقامة الصلاة، وأنّك أنت من أقامها، لا أنَّك كنت تعمل من أجل أن تحكم. فما هي الحكومة؟ وأيُّ لعبة هذه حتّى يفكّر بها إنسان في هذه الدنيا؟ أو يتخيّلها؟
- بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٣٢٩.
