
الشهرة الممدوحة والمذمومة
الصراع بين الإلهام الإلهي والوسوسة الشيطانية
متى تكون الشهرة نعمة ومتى تصبح نقمة؟ ما هو أثر الخواطر والنيّات والأعمال في تبدّل أحوالنا الروحيّة وصراعنا الداخليّ بين جنود الرحمن وجنود الشيطان؟ وكيف واجه الأعاظم من أهل العلم والتقوى آفات الشهرة والانسياق وراء العوام؟ تتناول هذه المحاضرة هذه الأسئلة المحوريّة، مستعرضةً أقسام الشهرة وآثارها، ومقدّمةً دروسًا عمليّة مستقاة من سير الأولياء والصالحين وقصصهم الملهمة، مع بيان لأهمية الإخلاص والمراقبة في السلوك إلى الله.
الشهرة الممدوحة والمذمومة
6يُقال إنّ بهلولاً كان يمرّ ذات يوم فرأى مسجدًا يُبنى، وفوق المسجد يُكتب اسم شخص ما. ـ الآن يفعلون ذلك أيضًا، حسينيّة آل فلان، مسجد فلان، تكية السيد فلان، عائلة فلان، في المدن، هنا وهناك، لكي يُعرف من قام بهذا العمل! كي لا يذهب كلّ هذا الجهد المبذول سُدى، فعلى الأقلّ ليبقى اسمه هناك في الأعلى ـ كان يمرّ فرأى أنّهم يكتبون اسم الباني بالجصّ في الأعلى. ولم يكن البناء قد انتهى بعد، ولكنّ أثرهم...! فمحاه هو وكتب اسمه مكانه، فأصبح مسجد بهلول. ثمّ ذهب ورأى صاحب المسجد قد جاء وأخذ يتشاجر مع العمّال قائلًا: بأيّ حقّ سمحتم بكتابة هذا هنا؟! قالوا: والله لم نرَه. جاء [بهلول] وقال: ما الأمر؟ قال: ألا تخجل؟ أنا أدفع المال ويُكتب اسمك هنا؟ قال: هل تبني المسجد للّه أم لنفسك؟ إذا كنتَ تبنيه لله، فليكن اسمي، ما شأنك أنت؟!
من أخلاق الأعاظم: قصة مناجاة آية الله السيد البروجردي رحمه الله في زمن المحنة
كان آية الله البروجردي رحمه الله على وشك الموت... ـ رحمه الله، فقد كان رجلًا عظيمًا، رجلًا مخلصًا، مخلصًا وحريصًا على صحّة عمله ـ كان المرحوم العلامة ينقل أنّه في إحدى المرّات، في ذلك الصيف الذي لم يكن فيه في قم، بل في أطراف قم، سواء كانت كهك أو أبعد من كهك، ذهب إلى هناك. كان ذلك الزمان صعبًا للغاية، زمن مصدّق وزمن (الشيوعيّين) الذين جاؤوا وكانوا ينشطون كثيرًا في إيران، وكان خطرهم يهدّد كيان البلاد والإسلام. كان أحد أصدقاء المرحوم العلامة ـ وحاليًا هو حيّ يرزق في قم نفسها ومن العلماء وله مؤلّفات وما إلى ذلك ـ هو نفسه يروي للمرحوم العلامة قائلًا: كان لدينا عمل مع السيد البروجردي فذهبنا لرؤيته في ذلك المكان. وبما أنّ علاقته كانت حميمة جدًا بالسيّد البروجردي، فكان يدخل غرفته. ولم تكن علاقته بالسيّد البروجردي معقّدة كثيرًا.
قال: استيقظتُ في منتصف الليل لأجدّد وضوئي، إمّا لأصلّي صلاة الليل أو لشيء آخر. فسمعت صوتًا يأتي من زاوية الفناء، صوت مناجاة. قلتُ: من هذا في هذه الزاوية من الفناء ويناجي؟ ذهبتُ فرأيتُ آية الله السيّد البروجردي رحمه الله بقميص وسروال، وعليه عباءة رقيقة، وقد ربط منديلًا أبيض على رأسه كعمامة بيضاء، يصلّي ويقرأ السور الأربع التي تبدأ بـ "قل" بحضور قلب عجيب! كانت عبارته هكذا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾۱ ويكرّرها، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۱ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾٢ وهكذا حتى انتهت صلاته ولم أفعل شيئًا لكي لا أشتّته. ثمّ ذهبت وقضيت حاجتي وما إلى ذلك. وفي صباح الغد، ذهبتُ إليه وقلتُ: سيّدي، رأيتُك البارحة تصلّي، ولكن بدت حالك مضطربة وغير عاديّة. فقال: ألا ترى؟ ألا ترى وضع البلاد وما يجري فيها؟ ما الذي يمكننا فعله سوى أن نتوسّل إلى حضرة الأحديّة؟ خلاصة القول، بتعبير المرحوم العلامة كان رجلًا واقعيًّا، كان آية الله السيّد البروجردي رحمه الله رجلًا واقعيًّا. ولكن على كلّ حال، لكلّ إنسان حدّ ومرتبة.
- الفلق (۱۱٣) الآية ۱.
- الفلق (۱۱٣) الآيتان ۱-٢.
