
الشهرة الممدوحة والمذمومة
الصراع بين الإلهام الإلهي والوسوسة الشيطانية
متى تكون الشهرة نعمة ومتى تصبح نقمة؟ ما هو أثر الخواطر والنيّات والأعمال في تبدّل أحوالنا الروحيّة وصراعنا الداخليّ بين جنود الرحمن وجنود الشيطان؟ وكيف واجه الأعاظم من أهل العلم والتقوى آفات الشهرة والانسياق وراء العوام؟ تتناول هذه المحاضرة هذه الأسئلة المحوريّة، مستعرضةً أقسام الشهرة وآثارها، ومقدّمةً دروسًا عمليّة مستقاة من سير الأولياء والصالحين وقصصهم الملهمة، مع بيان لأهمية الإخلاص والمراقبة في السلوك إلى الله.
الشهرة الممدوحة والمذمومة
11قصة انقطاع المعونة عن المرحوم العلامة في النجف بسبب الوشاية
في إحدى السنوات الأخيرة من حياة المرحوم العلامة، حدثت لي قضيّة، فذهبتُ إليه. فقال: يا سيّد محسن، لقد حدث لوالدك من هذه القضايا بل وما هو أشدّ منها. قلتُ: عجبًا! قال: أأقول لك ما هو أشدّ منها؟ ـ لا أعرف الآن هل من الصواب أن أقول هذا هنا أم لا؟ حسنًا، سأقوله على كلّ حال ـ قال: عندما أردت الذهاب إلى النجف، أوصى والدي أحد السادة الذين كانوا في طهران بأن يرسل لي مرتبي الشهريّ كلّ شهر إلى النجف، لأنّه كان يعلم أنّني لا أتلقّى مرتّبًا من أيّ مكان آخر. كان يقول: ذهبت إلى النجف، وكان هذا المرتّب يأتي في بداية الشهر عن طريق أفراد كانوا هناك. فكان رجلٌ ما يأتي ويقول: وصلكم حوالة من إيران. وكان يقول: إنّي كنت أعيش حياة متوسّطة. وفي أحد الأشهر، رأيت أنّه لم يعد يأتِي، وفي الشهر الثاني لم يأتِ، وفي الشهر الثالث لم يأتِ، حتّى أصبح وضعنا صعبًا . طبعًا، كانت الأمور تسير بصعوبة شديدة وما إلى ذلك. أصلًا، هذا المخصّص الذي كان يرسله هذا الشخص للمرحوم العلامة، انقطع تمامًا، تمامًا. طبعًا، كان الأمر يُعوَّض، من مكان آخر، إلى حدّ ما، ولكن، على كلّ حال، كان في ضيق وما إلى ذلك، وكان يراعي جدًّا. ووالدتي تروي حكايات عن أمور النجف.
قصّة ليلة الحاجة في النجف: كيف كان لطف أمير المؤمنين عليه السلام بالمرحوم العلامة؟
في إحدى الليالي ـ هذه القصّة رواها المرحوم العلامة نفسه ـ كانت ليلة ثلاثاء، في مسجد القائم، وكنتُ جالسًا بجانبه، فقال: يا بني محسن، أريد الليلة أن أروي لك قصّة تتعلّق بك ـ الآن بعض الرفقاء موجودون من الذين كانوا حاضرين هناك ـ كان يقول: لم يكن لدينا مال، لا شيء من المال. كنتَ أنت آنذاك تشرب الحليب ـ يعني حليب البقر وما إلى ذلك ـ كنّا نذهب ونشتريه ونحضره لك، وكنتَ تشرب الحليب، لأنّ والدتك لم يكن لديها حليب، وكنتَ تشرب حليبًا معلّبًا. جاءت والدتك وقالت: يا فلان! هذا الطفل ليس لديه حليب. فلم أقل لها شيئًا، وأنّنا لا نملك شيئًا، وليس لدينا مال. قلتُ: حسنًا، الآن حضّري له ماءً وسكّرًا، على أيّ حال، كشيء يخدعونه به، شيء يلهونه به، من هذه الأشياء التي يخدعون بها الأطفال، حضّري ماءً وسكّرًا. وأنت أيضًا بدأتَ شيئًا فشيئًا بالانزعاج، ولكنّك كنتَ قد بدأتَ المشي، كان عمرك حوالي السنتين وما إلى ذلك. قلتُ: حسنًا، سأخرج الآن ثمّ أعود. قال: أخذت بيدك وخرجت. كان يقول إنّه قد أقرض أحد عباد الله دينارين، ديناران آنذاك كانت مبلغًا كبيرًا، ديناران عراقيّان. فقلت: أذهب إلى منزله وأسلّم عليه، فإذا أعطانا، أخذناهما. وبالمناسبة، كان لديّ كتاب عنده أيضًا وكنتُ أريد أن آخذه، ولم تكن القضيّة محصورة في هذا فقط. فذهبتُ وقلتُ: سيّدي، هل قرأتَ ذلك الكتاب؟ قال: نعم، وما إلى ذلك. قلت: حسنًا، وبعد ذلك جلسنا، فرأيت أنّ هذا السيّد لم يتطرّق أبدًا إلى أنّ يا سيّدي، خذ هذين الدينارين أيضًا، لأنّه قد مضى شهر على القضيّة، ومن المفترض أن يأتي بهما ويعيدهما إليّ. وأنا أيضًا لم أقل شيئًا، خجلت ونهضت وخرجت من عنده، خرجت ثمّ عدنا إلى المنزل. قلت: ممّن آخذ؟ لم أكن من أهل هذه الأمور لأذهب وأقترض من أحد. فذهبت إلى صحن أمير المؤمنين عليه السلام وقلت: يا عليّ، إذا كنتَ تريد أن تجوّعنا، فلا مشكلة، ولكنّك تعلم وضعنا! يقول ما إن جئت إلى باب المنزل، عند زاوية الشارع، حتّى قال البقّال: يا سيّد محمّد حسين، جاءتك رسالة، رسالة من إيران. فتحتها فرأيت فيهاعشرين دينارًا أو أكثر لا أذكر. فقلتُ: إذن يا سيّدي، وصلكم من جانبنا نصيبكم أيضًا؟ هل تحسّنت أوضاعكم أنتم أيضًا؟ قال: نعم، نعم، الأمر كذلك. خلاصة القول، هكذا كانت القضيّة، كانت المسألة بهذه الكيفيّة، ولدى والدتي حكايات عن هذه المسألة.
