
الشهرة الممدوحة والمذمومة
الصراع بين الإلهام الإلهي والوسوسة الشيطانية
متى تكون الشهرة نعمة ومتى تصبح نقمة؟ ما هو أثر الخواطر والنيّات والأعمال في تبدّل أحوالنا الروحيّة وصراعنا الداخليّ بين جنود الرحمن وجنود الشيطان؟ وكيف واجه الأعاظم من أهل العلم والتقوى آفات الشهرة والانسياق وراء العوام؟ تتناول هذه المحاضرة هذه الأسئلة المحوريّة، مستعرضةً أقسام الشهرة وآثارها، ومقدّمةً دروسًا عمليّة مستقاة من سير الأولياء والصالحين وقصصهم الملهمة، مع بيان لأهمية الإخلاص والمراقبة في السلوك إلى الله.
الشهرة الممدوحة والمذمومة
10قصة عفو المرحوم العلامة بعد استخارته بالقرآن: كيف نتعامل مع العداوات؟
في أحداث ۱٥ خرداد سنة ۱٣٤٢ (٥ حزيران/يونيو ۱٩٦٣)، وبعد أن اعتقلوا آية الله السيّد الخميني رحمه الله ووضعوه في سجن "قزل قلعة"، جاء آية الله الميلاني رحمه الله إلى طهران. أتذكّر أنّه كان لديه مجلس في منزل كبير في منطقة "داووديّة" في طهران. ذهبنا مع والدنا رحمه الله ـ كنتُ في السابعة من عمري آنذاك، في الصفّ الأوّل الابتدائي ـ إلى هناك لزيارة آية الله الميلاني رحمه الله. ويبدو أنّ والد السيّد الحاجّ روح الله، حضرة آية الله الشيخ صدر الدين، كان حاضرًا أيضًا في ذلك المجلس، على قدر ما تسمح به ذاكرتي. ذهبنا إلى هناك وجلسنا بجانب الإيوان، ثمّ دخل المرحوم العلامة وتحدّث مع السيّد الميلاني والآخرين ثمّ خرج. رأيتُ أحد روّاد المسجد، ممّن كان كثير التردّد والحركة وما إلى ذلك، يقوم بترتيب الأحذية. وهو نفسه الذي أشار إليه المرحوم العلامة في كتاب "نور الملكوت"، لم يذكر اسمه ولكنّه أشار إلى أنّ خلافات نشأت معه وأدّت إلى القطيعة، وأنّه أرسل رسالة إلى المرحوم العلامة ـ هل قرأتموها أم لا؟ إن شاء الله تكونون قد قرأتموها، وإن لم تقرأوها فاذهبوا واقرأوها ـ فأرسل رسالة، وأراد المرحوم العلامة أن يتّخذ إجراءات ضدّه، فاستخار بالقرآن فجاءت هذه الآية: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾۱ فالآية تتعلّق بالعفو والصفح وما إلى ذلك، وفي ذيلها أنّك يجب أن تتجاوز بحيث يصبح الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم. هذه الآية، ثمّ تفاصيل الواقعة طويلة، اذهبوا واقرأوها. يبدو أنّها في كتاب "أنوار الملكوت"٢ فيما يتعلّق بالصفح وما إلى ذلك.
من مآسي المرحوم العلامة: قصّة الظلم الذي تعرض له من ذوي القربى بعد وفاة والده
ينقل قصّتين، إحداهما تتعلّق بالفترة التي تلت وفاة والده، وما فعلوه به. وعلى حدّ تعبيره، كان يقول: "لن أفتح ذلك الملفّ الأسود مرّة أخرى." وحقًا كان ملفًّا أسود. مؤخّرًا سمعتُ من أحد معارفنا وأقاربنا، وهو في سنّ المرحوم العلامة تقريبًا ويسكن في مشهد، كان يقول: يا سيّد محسن، لقد رأيتُ أباك يبكي وهو جالس على جانب الزقاق، زقاق حمّام وزير الملك آباد، يبكي من أفعال أقاربه هؤلاء، هذا الرجل العظيم! ماذا فعلوا به بحيث رأيتُه بعد فترة قصيرة قد هاجر إلى النجف وقرأ الفاتحة على كلّ ما في طهران بشكل كامل. كان وصيّ أبيه، فعندما رأوا أنّهم أضاعوا الوصيّة، لا أعرف هل سرقوها، سرقوا الأموال وأخذوها، صادروا كتبه، الكتب التي وهبها له والده في حياته، وما إلى ذلك. خلاصة القول، أنزلوا به من البلاء ما جعله ـ وهو الذي لم يكن يؤخّر درسه ساعة واحدة ـ يقول: "قضيتُ سنة واحدة في طهران على هذا النحو، كنتُ أتمنّى كلّ يوم أن ينتهي عمري ولا أشهد هذه الأمور مرّة أخرى." أي أنّهم كانوا قد شهروا سيف العداوة والحقد إلى هذا الحدّ! وكأنّه لا وجود للرحمة ولا للقرابة أصلًا، لا شيء على الإطلاق! لا شيء!
- (فصلت (٤۱) الآية ٣٤.
- انظر نور ملكوت القرآن ج۱ ص ٥٥.
