
الشهرة من منظور أولياء الله
كيفية تعامل العلّامة الطهراني مع الشهرة والصيت
تركّز هذه المحاضرة على فقرة «وَنَوَّهْتَ بِاسْمِي كَبِيراً». فتتناول تقلّبات الدهر وعاقبة المتكبّرين، وتدعو إلى التعامل الصحيح مع الشهرة الدنيويّة. وتستعرض سيرة العلّامة الطهراني كمثال، فتذكر سبب هجرته إلى مشهد، وقصصًا حول كتبه، مبيّنة الفرق بين الصيت الزائل والشهرة الإلهيّة الحقيقيّة التي نالها بفضل زهده وإخلاصه.
الشهرة من منظور أولياء الله
2أعوذُ بِالله مِنَ الشَّیطانِ الرَّجیم
بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرّحیم
و صلّی الله عَلَی سیّدنا و نبیّنا أبیالقاسم محمد
و علی آله الطّیبین الطّاهرین
و اللعنة عَلَی أعدائِهِم أجمَعینَ
«إِلَهِي رَبَّيْتَنِي فِي نِعَمِكَ وَ إِحْسَانِكَ صَغِيراً، وَ نَوَّهْتَ بِاسْمِي كَبِيراً»
إلهي، أنت الذي ربّيتني في نعمك وإحسانك وأنا صغير. وهيّأت لي الأسباب لنموّي في صغري، وجعلت اسمي في كبري معروفًا ومشهورًا ورفيعًا.
في الجلسة السابقة، ذكر للرفقاء ما هو المقصود بالرفعة، ومن أين تأتي الشهرة ومن أين تنشأ، وهل هي مدعاة للغبطة، أي هل يجب على الآخرين أن يتحسّروا على شهرة فلان؟! أم أنّ الأمر ليس كذلك، وهي ليست مدعاة للغبطة أبدًا!
تقلبات الدهر للإنسان
إنّ الدهر والدنيا في تقلّب مستمر:
چنین است رسم سرای درشت *** گهی پشت به زین وگهی زین به پشت يقول: هكذا هي عادة الدنيا القاسية *** يومًا السرج على الظهر، ويومًا الظهر على السرج
فيومًا يذكرون الإنسان بالخير، وفي يوم آخر هؤلاء الناس أنفسهم يذكرونه بالسوء، مع أنّ ذلك الإنسان لم يتغيّر وتصرّفاته لم تتبدّل، ويومًا يُعلنون اسم الإنسان على المنارات وفي الصحف اليوميّة هنا وهناك، ويومًا آخر لا يذكره أحدٌ أصلًا! وهذا أمر عجيب جدًّا! وروعته تكمن في أن يفهم الإنسان هذه الأمور ويعتبر، ويدرك حقيقة الدنيا، وماهيّتها، وماذا يفعلون فيها، وماذا يعطون في هذه الدنيا، فيومًا تعظيم وتكريم بسبب انتساب ما، أو صلة بشخص أو عمل أو علاقة أو أيّ من جاذبيّات الدنيا ـ فالدنيا مليئة بالجاذبيّات! ـ وفي يوم آخر لا ينظرون إلى الإنسان أصلًا، بل لا يلتفتون إليه ولا يذكرونه!
قصّة إبادة البرامكة المعتبرين على يد هارون
قرأتُ يومًا في كتاب القصص والعبر عن إبادة هارون للبرامكة. فقد كان البرامكة قد تغلغلوا في بلاط هارون بشكل عجيب، وكان يحيى البرمكي ابن خالد البرمكي. وقد ذهب خالد البرمكي إلى الشام في زمن عبد الملك بن مروان، وكان خالد هذا مجوسيًّا. ويُقال: «إنّ إسلامه كان تظاهرًا، وإسلامًا زائفًا!» وبقي في الشام ولم يعد. ولأنّه كان سياسيًّا داهية، تغلغل شيئًا فشيئًا في بلاط الحكم العباسيّ، وحصل على أعوان وأنصار حتّى بلغ ابنه يحيى منزلةً وجلالًا وعظمة في بلاط الخلفاء العباسيّين. وكان ليحيى بن خالد البرمكي ولدان هما جعفر وفضل، وكانا ذا تأثير كبير على هارون، وبالأخص جعفر الذي كان محبوبًا جدًّا لدى هارون حتّى أنّه قيل: ذات ليلة كان هارون مع جعفر في مجلسه، فدخلا غرفة وكان في أعلاها رف، وأراد جعفر أن يأخذ شيئًا من ذلك الرف لكن يده لم تصل، فأجبره هارون على أن يمتطي كتفه ليأتي بذلك الشيء من الأعلى، أي استخدمه كالسلّم! بدلًا من أن يستخدم السلم! أي أن الأمور بلغت هذا الحد! ـ ومن الواضح الحال الذي سيؤول إليه من يصل إلى هذه المنزلة في بلاط هارون ـ حتّى حانت النهاية على أيّ حال بسبب القضايا التي حدثت وتقرّر أن يُطوى ملفهم.۱
- قال ابن خلدون في تاريخه، ج ۱ ص ۱٥: ومن الحكايات المدخولة للمؤرخين ما ينقلونه كافة في سبب نكبة الرشيد للبرامكة من قصّة العباسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه وأنه لكلفه بمكانهما من معاقرته إياهما الخمر أذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة حرصًا على اجتماعهما في مجلسه وأنّ العباسة تحيلت عليه في التماس الخلوة به لما شغفها من حبّه حتى واقعها (زعموا في حالة السكر) فحملت ووشي بذلك للرشيد فاستغضب وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها وأبويها وجلالها... وإنما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة واحتجافهم أموال الجباية حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه فغلبوه على أمره وشاركوه في سلطانه ولم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه فعظمت آثارهم. (م)
