
الشهرة ومشيئة الله
دين الإسلام، دين الرأفة والرحمة
ما هي حقيقة الشهرة والصيت في ميزان العرفان الإلهي؟ وكيف ينظر السالك إلى السمعة التي يمنحها الله له بين الناس؟ وماذا فعل رسول الله صلّى الله عليه وآله عند فتح مكّة مع الذين آذوه وطردوه؟ وما هو الشعار الذي أطلقه أمير المؤمنين عليه السلام ليُظهر روح الإسلام الحقيقيّة؟ ما هو الفرق الدقيق بين حُسن الظنّ بالآخرين وبين الخيانة عند تقديم المشورة؟ تجيب هذه المحاضرة عن ذلك ضمن شرح فقرة ونوّهت باسمي كبيرًا من دعاء أبي حمزة الثمالي.
الشهرة ومشيئة الله
8حسنًا، أولئك المساكين لم يكونوا يفهمون ما يقوله النبيّ صلّى الله عليه وآله، فكانوا يسخرون. ولكن لنفترض الآن أنّه كان بينهم أصحاب معرفة، فلو كان سلمان وأبو ذر والمقداد وعمّار ومالك وابن عبّاس موجودين، فهؤلاء الذين كانوا يدركون هذه المطالب في ذلك الزمان، فلو كانوا هم أيضًا حاضرين لما رفعوا أيديهم! لا أنّهم لا يرفعونها تواضعًا ليرفعها أمير المؤمنين عليه السلام، لا! بل حتّى لو لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام في المجلس، لما رفعوا أيديهم، لأنّهم ليسوا أهلًا لذلك.
هناك واحد فقط يجب أن يرفع يده، وهو عليّ عليه السلام، وفي ذلك الموقف لا يستطيع أحد غير أمير المؤمنين عليه السلام أن يقوم، أي أنّ ذلك مجلسٌ يفوّض فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله رسالته، فمن يستطيع أن يرفع يده غير عليّ عليه السلام؟! هذا «حملٌ لعبء الرسالة!» هل هو قمح وشعير ليضعه الإنسان على دابّته؟! لقد خلطنا بين هذين الأمرين.
هذا الجيش الذي يتحرّك لفتح مكّة، هو جيش قائده رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولا يمكن للنبيّ أن يرى هذا الجيش يسير بهذا الحال وهذه الكيفيّة. ولذلك، أول ما فعله هو تغيير القيادة، فأصبح أمير المؤمنين عليه السلام قائدًا. فأرسل رسالة إلى سعد بن عبادة يشكره فيها كثيرًا على جهوده ـ طبعًا ليس بهذه العبارة ـ بل يتفقّد رسول الله صلّى الله عليه وآله حاله ويشكره. فهو أيضًا قد عمل بقدر وسعه، ولا يمكن للإنسان أن يتوقّع من كلّ فرد أن يأتي ويقوم بعمل أيّ فرد آخر.
ردّة فعل سعد بن عبادة تجاه تغيير القيادة
وهو أيضًا يتجاوز نفسه في هذا الموقف! لو تصوّر الإنسان الموقف، سيرى أنّه ليس بالأمر الهيّن! أن يعيّن النبيّ صلّى الله عليه وآله فردًا قائدًا لجيش الإسلام لفتح مكّة، فهذا ليس مزاحًا. والآن، بينما هو قادم، وفي وسط الطريق، وعلى بعد منزل أو منزلين من مكّة، يُقال له فجأة: «يا عزيزي، من فضلك، سلّم منصبك لغيرك، سلّمه لشخص آخر!»
يعتري الإنسان شيء من الارتباك، فيقول في نفسه: «إذًا، ما قيمة قيادتي هنا؟!» لكنّه يتغلّب على نفسه فورًا. فقد كان سعد بن عبادة من كبار الصحابة، وسواء أدرك حقيقة الأمر أم لم يدركها، فإنّه في كلّ الأحوال سلّم الأمر في مقام التسليم ولم يعترض أبدًا.
