
الشهرة ومشيئة الله
دين الإسلام، دين الرأفة والرحمة
ما هي حقيقة الشهرة والصيت في ميزان العرفان الإلهي؟ وكيف ينظر السالك إلى السمعة التي يمنحها الله له بين الناس؟ وماذا فعل رسول الله صلّى الله عليه وآله عند فتح مكّة مع الذين آذوه وطردوه؟ وما هو الشعار الذي أطلقه أمير المؤمنين عليه السلام ليُظهر روح الإسلام الحقيقيّة؟ ما هو الفرق الدقيق بين حُسن الظنّ بالآخرين وبين الخيانة عند تقديم المشورة؟ تجيب هذه المحاضرة عن ذلك ضمن شرح فقرة ونوّهت باسمي كبيرًا من دعاء أبي حمزة الثمالي.
الشهرة ومشيئة الله
7إنّ الإسلام الذي لا يوجد فيه أيٌّ من هذه الأمور، أي الإسلام الخالص، هو الإسلام الذي ينظر إلى أبي سفيان نفسه بنفس النظرة التي ينظر بها إلى عمّار، هذا هو الإسلام الذي يجب على النبيّ صلّى الله عليه وآله أن ينشره، وهذا الإسلام ليس موجودًا في هذا الجيش!
فإنّ الجيش يهتف: «سنجعلكم بائسين تعساء، سنضربكم، سنقتلكم، سنسحقكم! أهكذا كنتم تفعلون بنا؟! والآن سترون! لقد شحذنا سيوفنا لهذا اليوم!» وكان سعد بن عبادة يردّد باستمرار مثل هذه الشعارات.۱
فجاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وقطع الأمر فورًا. أوّل ما فعله هو تغيير القيادة، فقال: «ليأتِ أمير المؤمنين عليه السلام مكان سعد بن عبادة!» ذاك الذي هو مثله! يجب أن يأتي شخصٌ ويكون وصيًّا له ويكون لديه نفس حال النبيّ صلّى الله عليه وآله وأجوائه، فلا أحد غيره يستطيع حمل هذا العبء.
ولذلك، عندما نزلت الآيتان ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾٢ و ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾٣، لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وآله يمزح هناك، ولم يقرأ إنشاءً، ولم يعتلِ المنبر! بل طرح حقيقةً من داخله، قال الحقيقة، فقال: «أَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟»٤ مَن يأتِ ويساعدني ويحمل عنّي هذا العبء؟
سبب اختيار أمير المؤمنين عليه السلام للقيادة
لنفترض الآن أنّا كنّا نحن ـ أفراد هذه الجلسة ـ هناك وسمعنا كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله هذا، فهل كنّا لنرفع أيدينا؟! انظروا، تارة يقول رسول الله صلّى الله عليه وآله: «مَن يأتِ ويعيننا في هذا الطريق؟» حسنًا، كلّنا نرفع أيدينا: «نحن هنا يا رسول الله! إن شاء الله يوفّقنا الله ونحن أيضًا نقدّم المساعدة!» ـ وبتوفيق منه طبعًا، فبدون أن يوفقنا فجميعًا صفر، بل تحت الصفر، سالب ما لا نهاية! عدد جبري! ـ لو قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «مَن يأتِ ويعيننا لنذهب ونحارب؟! مَن يعيننا لنقوم بهذا العمل؟! مَن يساعدنا؟!» لرفعنا أيدينا جميعًا.
ولكن تارة أخرى لا يتحدّث رسول الله صلّى الله عليه وآله بهذه الطريقة، بل يقول: «مَن يأتِ ويجلس مكاني ويلتزم بأن يعمل كما أعمل تمامًا؟! مَن يأتِي ويحمل عبء رسالتي؟!» مَن ذا الذي يرفع يده؟! فلا أحد يرفع يده! ولو سُئلت أنا، فلن أرفع يدي، فأنا لست أهلًا لذلك!
- اليوم يوم الملحمة *** اليوم تستحل الحرمة.
- سورة الشعراء (٢٦)، الآية ٢۱٤.
- سورة الشعراء (٢٦)، الآية ٢۱٥.
- معرفة الإمام، ج۱، ص: ٩٤ عن (تاريخ الطبري)، ج ٢، ص ٦٢ و ٦٣: "أيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟". وقال العلاّمة الطهراني هناك: يقول العلّامة الأميني: و بهذا اللفظ أخرجه أبوجعفر الإسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي المتوفّي ٢٤۰ ه- في كتابه (نقض العثمانية) [٣]، و قال: إنّه روى في الخبر الصحيح. و رواه الفقيه برهان الدين في (أنباء نجباء الأبناء)، ص ٤٦- ٤۸؛ و ابن الأثير في (الكامل) ج ٢، ص ٢٤؛ و أبو الفداء عماد الدين الدمشقي في تاريخه، ج ۱، ص ۱۱٦؛ و شهاب الدين الخفاجي في (شرح الشفا) للقاضي عياض، ج ٣، ص ٣۷ (و بتر ءاخره) و قال: ذكر في دلايل البيهقي و غيره بسند صحيح؛ والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره، ص ٣٩۰؛ والحافظ السيوطي في (جمع الجوامع) كما في ترتيبه، ج ٦، ص ٣٩٢ نقلًا عن الطبري، و في ص ٣٩۷ عن الحّفاظ الستّة: ابن اسحق، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي؛ وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج ٣، ص ٢٥٤. و ذكره المورّخ جرجي زيدان في (تاريخ التمدن الحديث) ج ۱، ص ٣۱؛ والاستاذ محمّد حسين هيكل في (حياة محمّد) ص ۱۰٤ من الطبعة الاولى.
