
الشهرة والأثر التكوينيّ لأفعال الإنسان
حقيقة واديي السلام وبرهوت
كيف يرى أهل البصيرة بواطن الأمور وأثر الأعمال في تكوين الإنسان؟ ما هي حقيقة انتقال الأرواح إلى وادي السلام أو برهوت في اليمن، وهل يقتصر ذلك على ما بعد الموت؟ كيف يمكن لكلام الأفراد وكتاباتهم أن يكشف عن حالاتهم النفسيّة وخبث بواطنهم أو صفائها؟ وما هو الموقف الشرعيّ من الاغترار بظواهر الناس وأعمالهم؟ تجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة.
الشهرة والأثر التكوينيّ لأفعال الإنسان
7نحن نتخيّل أننا إذا فعلنا شيئًا، فإنّه يضيع ويختفي في هذا العالم التكوينيّ، فنقول: "إنْ شاء الله الله لن يرى" ونخفض رؤوسنا للتخفي. لا يا عزيزي! نأكل لقمة، فتأثّرُ أثرًا خاصًّا. أو نقوم بعملٍ ما، فيكون له أثر. مَنْ كان من أهل الخبرة يدرك ويميّز، ومَنْ ليس كذلك، لا يدرك، وينظر هكذا فقط.
فكلام الإمام السجّاد عليه السلام من أنّه لا تنظروا إلى ظاهر الناس، ولا إلى صلاتهم وصيامهم، فربّما تكون هذه الصلوات وهذه الصيامات في سياق أهدافٍ غير إخلاص السلوك في الطريق إلى الله، وغير نيّة الاقتراب لمرضاة الله۱. هو هذا بعينه. نحن ننظر إلى الظاهر: ما شاء الله! كم هو مناسب، هادئ، مطمئنّ، كم يتكلّم بكلماتٍ محمودةٍ وبليغةٍ وأدبيّة، وجملٍ عذبةٍ وكلامٍ جذّابٍ يجمع الناس. ما شاء الله! السيّد يقول كذا، كم يقرّر الأمر بشكلٍ جيّد، لا مثيل له. عجيب!
ظهور حالات النفس لدى الأفراد في كلامهم وكتاباتهم
أظنّ أنَّ هذا الأمر الذي تذكرته الآن، قد ذكرته مرّةً للرفقاء أيضًا. ففي الزمن السابق كان هناك كاتبٌ قد توفّي. ولم أكن قد استمعتُ إلى أحاديثه، ولكنّي قرأتُ له كتابًا فقط، وكلّما فتحت هذا الكتاب وقرأته، كانت أحوالي تنقلب؛ أي كنت أشعر بكدورةٍ وظلمة! ومع ذلك لم أكن أتركه، وكنت أقرأ باستمرار، ثمّ أترك البقيّة للغد. يا هذا، إن كنت أدركت حقيقة الكتاب فاتركه! قرأتَ صفحتين وفهمتَ ما هو فقد كفى إذًا. لكن لا! بما أنّهم يمدحونه كثيرًا، فلأقرأ لأرى ما بداخله؟! إلى هذا الحدّ يمدحونه وكذا. فكنت أقرأ عشرين صفحةً أخرى، فيتعكّر مزاجي وأشعر مرّةً أخرى بكدورةٍ وظلمة، فكنت أقول: لا، لنرَ مرّةً أخرى ما هو! كنت أقول في نفسي باستمرار: لنرَ مرّةً أخرى، ومرّةً ثالثة، حتّى قرأت الكتاب كلّه. ولم يكن الحال أنّني لم أفهم منه كلمةً واحدةً فحسب، بل لم يصلني من هذا "العظيم"، أيّ نفعٍ سوى الكدورة والظلمة وتشوّش الحال، لا شيء!
كنتُ يومًا في الزمن السابق (زمن الشاه) ذاهبًا من قم إلى طهران بسيّارات الأجرة الخاصّة. وكنتُ جالسًا في الخلف، وكان هناك شابٌّ يجلس في مقدّمة السيّارة، فأخرج شريطًا مسجّلاً من جيبه ووضعه طوال الطريق وقال: «يا سيّد، ضع هذا لنستمع إليه حتّى نصل، هل هناك مانع؟ إنّه تسجيل». فقلتُ: «لا مانع». قال: «إنّه شريط، ضع الشريط». ولم يذكر اسم المحاضر. فوضع الشريط وبدأ المتحدّث بالكلام، وما إنْ تكلّم حتّى قلتُ في نفسي: آه آه! عجيب! مَنْ هذا؟! أيّ كلامٍ هذا الذي يقوله؟! ورأيتُ أنَّ عشرة أضعاف تلك الظلمة والكدورة التي كنتُ أشعر بها في نفسي وقت قراءة ذلك الكتاب، تخرج من فمه وتستقرّ على قلبي. فقلتُ إن لم أكن مخطئًا، فهذا المحاضر لا بدّ أنْ يكون هو الكاتب نفسه. فقلتُ: «يا سيّد، لمَنْ هذا الشريط؟» قال: «عجيب! ألا تعرفه؟!» قلتُ: «لا». قال: «إنّه فلان». فقلتُ: «نعم؛ شكرًا جزيلًا، شكرًا». ولم يكمل هو الآخر، وبالفعل مرّت بضع دقائق ولا أعرف ماذا حدث، لكنّه انصرف عن الاستماع وأطفأ المسجّل. الحمدُ للّه أنَّ الله أعاننا وانتهت المسألة.
- الإحتجاج (للطبرسی)، ج ٢، ص ٣٢٠؛ التفسیر المنسوب إلی الإمام الحسن العسکری علیه السّلام، ص ٥٣؛ بحار الأنوار (ط - بیروت)، ج ٢، ص: ٨٤؛ و بالإسناد المُتقدِّم ذِکرُه عن الرِّضا علیه السّلام أنَّهُ قال:
قال عَلیُّ بنُ الحُسَینِ علیه السّلام: «إذا رَأیتُمُ الرَّجُلَ قد حَسُنَ سَمتُهُ و هَدیُهُ و تَماوَتَ فی مَنطِقِهِ و...»
- الإحتجاج (للطبرسی)، ج ٢، ص ٣٢٠؛ التفسیر المنسوب إلی الإمام الحسن العسکری علیه السّلام، ص ٥٣؛ بحار الأنوار (ط - بیروت)، ج ٢، ص: ٨٤؛ و بالإسناد المُتقدِّم ذِکرُه عن الرِّضا علیه السّلام أنَّهُ قال:
