
رحمةُ اللهِ تعالى لجميعِ العبادِ
أأرباب متفرّقون خير أم الله؟
كيف يربي الله تعالى عباده بلطفه ورحمته؟ وما الفرق بين التعلق بالأرباب المتفرقين والاعتماد على الله الواحد القهار؟ يتناول آية الله السيد محمد محسن الطهراني هذه المعاني ضمن شرح دعاء أبي حمزة، موضحًا أن الشهرة والصيت من الله، وأن العبرة بالحقائق لا المظاهر، معززًا ذلك بقصص معبرة.
رحمةُ اللهِ تعالى لجميعِ العبادِ
4قبل وقت طويل، وذات يوم ذهبتُ لزيارةِ أحدِ الأقاربِ في إحدى المدنِ، فرأيتُه حزينًا جدًّا. فقلتُ: «يا سيِّدي، ما الأمرُ؟ لماذا أنتَ حزينٌ؟» سألَ سؤالًا: «يا سيِّدي، ألَا تعرفُ أحدًا، مثلًا، مِن هؤلاءِ الَّذين يجدونَ الأشياءَ المفقودةَ، لا أدري، يعرفونَ بعضَ الأشياءِ، يقومونَ ببعضِ الأعمالِ. يجدونَ بعضَ الأشياءِ.» قلتُ: «حسنًا، ما الَّذي فُقِدَ منكَ؟» فما كان ليخبرني. فقلتُ له: «ماذا؟ هل فُقِدَت زوجتُكَ؟ هل تركتكَ وذهبت؟» قالَ: «لا، هي هنا.» قلتُ: «حسنًا، الحمدُ للهِ،هل فُقِدَ طفلُكَ؟» قالَ: «لا، هو أيضًا في مكانِه»، قلتُ: «هل فُقِدتَ أنتَ نفسُكَ؟ هل تريدُ أن تذهبَ وتجدَ نفسَكَ، وتبحثُ عن مبصّر وعرّاف؟» قالَ: «لا!» لم يكُن يريدُ أن يقولَ، حتّى قالَ أخيرًا: «ذاتَ يومٍ ذهبتُ لزيارةِ شخصٍ ما، ولزيارتِه يحتاجُ الأمرُ إلى موعدٍ وما شابه، وعندما كنتُ جالسًا بجانبِه، التُقِطَت لنا صورةٌ ثنائيَّةٌ، والآنَ فقدتُ تلك الصُّورةَ.» فقلتُ: «يا للهولِ! ظننتُ أنَّ أحدًا قد فُقِدَ منكَ! زوجتُكَ قد فُقِدَت! أموالُكَ قد سُرِقَت! مُلكُكَ حدثَ له شيء! مستندات أملاكك حدث لها شيء !» رأيتُه حزينًا جدًّا. قلتُ له: «لو كنتُ مكانَكَ، لكنتُ أخرجتُ الصُّورةَ ووضعتُها في مكانٍ ما وخرجتُ وحدي لأكونَ مرتاحًا وبلا صداعِ رأسٍ ولا أُخرِجُ معي شيئًا. فما هذا الكلامُ يا عزيزي؟ نبحثُ عن كاتبِ أدعيةٍ ونرى ما هذا وما هذا الكلامُ؟» قلتُ: «أيُّ قيمةٍ لمثلِ هذه القضيَّةِ بالنِّسبةِ لكَ؟ كم هي هذه القضيَّةُ مهمَّةٌ لكَ في عالمِ الواقعِ وفي عالمِ الأعيانِ وفي عالمِ الحقيقةِ؟ لقد نهضتَ وذهبتَ وجلستَ بجانبِ فردٍ لدقيقتَينِ والتُقِطَت لكَ صورةٌ. كلُّ هؤلاءِ النَّاسِ يذهبونَ ويأتونَ، صعودًا ونزولًا، وهذه الأقاويلُ، وما شابه ذلك. نعم؟ أيُّ قيمةٍ لأن يُنفِقَ الإنسانُ وقتَه وعُمرَه في أنَّنا يومًا ما كنَّا هنا أيضًا. يومًا ما كنَّا في مثلِ هذا الوضعِ أيضًا.» لم نقُل له الأشياءَ الأخرى، على كلِّ حالٍ، جعلت هذا العبدَ المسكينَ نادمًا ولم يُتابِعِ الأمرَ.
الأرباب المتفرّقون: لماذا يتغير ولاء أهل الدنيا؟
كلُّ هؤلاءِ ﴿أربابٌ متفرِّقونَ﴾. يأتي يومٌ ويفتخِرُ بأنَّنا كنَّا مع فُلانٍ. ويأتي يومٌ آخرُ ولا يجرؤُ أن يقولَ إنَّنا كنَّا مع ذلك الفردِ نفسِه. يأتي يومٌ ويقولُ: فُلانٌ مثلاً، كانَ مِن المقرَّبينَ لي ومِن الأصدقاءِ ومِن كذا. ويأتي يومٌ آخرُ ويُنكِرُ الصَّداقةَ أصلًا. «متى كنَّا أصدقاءَ أصلًا؟! متى كانت لدينا مثلُ هذه المسائل؟!» في هذه الثَّورةِ نفسِها، عندما قُبِضَ عليهم وتغيَّرَ النِّظامُ. يقولونَ إنَّ كثيرًا مِن الأفرادِ ذهبوا وأتلفوا ملفَّاتِهم الخاصَّةَ لئلَّا تبقى ـ لا سمحَ اللهُ ـ تبعيَّةٌ لتلك الفترةِ في الملفِّ ويطَّلِعُ عليها الأفرادُ، تبعيَّةٌ كانوا يفتخِرونَ بها في ذلك الوقتِ في مجالسِهم. وهذه كلُّها عِبَرٌ في هذه الدُّنيا، خمسونَ عامًا كنتَ تابعًا لفردٍ ما، وبثورة ثورةٍ وتغييرٍللنظام كلَّ ذلك لست فقط نسيتَه، بل تُريدُ أيضًا إتلافَ وثائقِه ومُستنداتِه، حتَّى لا يبقى أثرٌ أبدًا، لا يبقى أيُّ أثرٍ مِن هذا، لا يبقى شيءٌ أبدًا. حسنًا يا عزيزي، بدلًا مِن أن تقضيَ هذه الخمسينَ عامًا في اتِّباعِ ﴿أربابٌ متفرِّقونَ﴾، ألم يكن من الأفضل أن تأتي إلى ﴿اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾۱، وحينها لما احتجت إلى إتلافِ سندٍ ولا التكتّم على شيءٍ. فالملفُّ واضحٌ وظاهرٌ ومكشوفٌ للجميعِ، نحنُ هكذا، تفضَّلوا. نحنُ هكذا. نحنُ لم نكُن تابعينَ في ذلك الوقتِ، ولا بعدَه كنَّا تابعينَ، ولا سنكونُ تابعينَ في النِّهايةِ. فنحنُ هكذا، يا سيِّدي هذا نحن. لماذا يسلّم الإنسانُ عُمرَه لأشياءَ ويضعُ قلبَه في أماكنَ يكونُ فيها قلقًا فكريًّا، ومُشوَّشًا داخليًّا بسببِ الانتسابِ إليها ونفيِها وعدمِها؟ لماذا لا يُصلِحُ طريقَه من البدايةِ؟ لذلك يقولُ اللهُ هنا: أيُّهم أفضلُ؟ أيُّهم أفضلُ لكَ؟ أيُّهم أنفعُ لسعادتِكَ؟
- سورة یوسف (۱٢) الآية ٣٩، سورة ص (٢۸) الآية ٦٥، سورة الزمر (٣٩) الآية ٤.
