
رحمةُ اللهِ تعالى لجميعِ العبادِ
أأرباب متفرّقون خير أم الله؟
كيف يربي الله تعالى عباده بلطفه ورحمته؟ وما الفرق بين التعلق بالأرباب المتفرقين والاعتماد على الله الواحد القهار؟ يتناول آية الله السيد محمد محسن الطهراني هذه المعاني ضمن شرح دعاء أبي حمزة، موضحًا أن الشهرة والصيت من الله، وأن العبرة بالحقائق لا المظاهر، معززًا ذلك بقصص معبرة.
رحمةُ اللهِ تعالى لجميعِ العبادِ
2أعوذُ بِاللَهِ مِنَ الشَّیطانِ الرَّجیمِ
بِسمِ اللَهِ الرَّحمٰنِ الرَّحیمِ
و صلَّى اللَهُ عَلَى سیِّدِنا ونبیِّنا أبیالقاسمِ مُحَمَّدٍ
وعلى آلِهِ الطَّیِّبینَ الطَّاهرینَ واللَّعنةُ الدائمةُ عَلَى أعدائِهم أَجمَعینَ
«وَأنتَ المَنَّانُ بِالعَطِیَّاتِ عَلىٰ أهلِ مَملَکَتِکَ وَالعَآئِدُ عَلَیهِم بِتَحَنُّنِ رَأفَتِکَ، إلـٰهی رَبَّیتَني في نِعَمِکَ وَاِحسانِکَ صَغیراً، وَنَوَّهتَ بِاسمي کَبیراً.»
مقدمة: معنى الرّبوبيّة الإلهيّة في دعاء أبي حمزة الثمالي
يتطرَّقُ الإمامُ عليه السلام في هذه الفقرةِ إلى ظهورِ أسماءِ اللهِ تعالى وصفاتِه الجماليَّةِ. أحدُ أسماءِ اللهِ تعالى اسمُ الرَّبِّ، والرَّبُّ هو المُرَبِّي والمُنشِئ: ﴿أَأَربَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾۱ . تُشيرُ الآيةُ الشَّريفةُ إلى أربابٍ مُتفرِّقينَ؛ الَّذين نُسمِّيهم أربابَنا ونعتبِرُهم كذلك، نعتبرُ رئيسَ القومِ ربَّنا، نعتبرُ المعلِّمَ ربًّا، نعتبرُ صاحبَ البيتِ ربًّا، نعتبرُ مانِحَ الرَّواتبِ ربًّا. يقولُ اللهُ تعالى في هذه الآيةِ: ﴿أَأَربَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ﴾ أي الَّذين كلٌّ منهم مُشتَّتٌ ومتفرِّقٌ وغارقٌ في عالَمِ أهوائِه وأوديتها، أهؤلاءِ خيرٌ؟ وهل التَّمسُّكُ بهم أَولى؟ أم تمسّك الإنسان باللهِ الواحدِ الأحدِ الصَّمدِ الَّذي لا شريكَ له ولا نِدَّ ولا مثيلَ؟ أيُّهما أفضلُ؟ هل يتشبَّثُ الإنسانُ في هذه الدُّنيا ويلجأُ إلى أفرادٍ مختلفينَ ويجعلُ اتِّكالَه وملاذَه هؤلاءِ ﴿أربابٌ متفرّقون﴾؟ أحدُهم ربُّه قاضي المحكمةِ، يسند ظهره إلى القاضي، [ويقولُ] «أنا لديَّ قاضٍ، القاضي الفلانيُّ صديقي، لا يمكنُ لأحدٍ أن يحكُمَ علينا، وكلُّ ما فعلناه نافذٌ، ولا نرى لأنفسِنا مُقابلًا.» وآخرُ يسنِدُ ظهره إلى الوزيرِ، [فيقولُ] «الوزيرُ الفلانيُّ مِن أقارِبِنا، ومِن أصدقائِنا، ما دامَ هو موجودًا، فما الخطر علينا من الحوادثِ والأمورِ الَّتي تطرأُ؟» وآخرُ يستنِدُ ظهرُه إلى المديرِ، وآخرُ يستنِدُ ظهرُه إلى المحامي. ولكنَّهم غافلونَ عن أنَّ جميعَ هؤلاءِ ﴿أربابٌ متفرِّقونَ﴾، أي أنّهم في حالةِ تفرُّقٍ. والمراد من التفرّق هو التّفرّق الداخلي، لا أنّهم في الخارج يتشاجرونَ مع بعضِهم البعضِ، هذا يضربُ ذاكَ، وذاكَ يقرعُ طبلًا على رأسِ هذا، لا، بل في باطنِهم وأنفسِهم ليسَ لديهم اجتماعٌ، وذلك التَّفرُّقُ الظَّاهريُّ يَظهر ويَنبعثُ مِن التَّفرُّقِ الباطنيِّ! فإذا كانَ الباطنُ مُجتمِعًا، وإذا كانَ الباطنُ في وحدةٍ، وإذا كانَ الباطنُ في اجتماعٍ، فإنَّ بروزَه وظهورَه الخارجيَّ أيضًا سيكون في حالة من الاجتماع والوِحدة. وإذا كانَ الباطنُ في تفرُّقٍ فإنَّ البروزَ الخارجيَّ أيضًا سيكون في تفرُّق وتشتُّت، وهذه ترتبطُ بالعلَّةِ والمعلولِ، بالجانبِ العِلِّيِّ والمُؤثِّريَّةِ والسَّببيَّةِ في تعاقُبِ الأسماءِ والصِّفاتِ والغرائزِ والأفعالِ الخارجيَّةِ والظُّهوراتِ الخارجيَّةِ. فهؤلاءِ لديهم تفرُّقٌ في دواخلِهم، يعني في بواطنِهم لا يتَّبِعونَ خطًّا ومنهجًا واحدًا، هذا في باطنِه في حالة من التفرُّق، يجلسُ ويُفكِّرُ باستمرارٍ: «سأفعلُ هذا الأمرَ وسأفعل ذاكَ، سأقوم بهذا العمل وسأحقّق ذاك.» هو دائمًا في حالةِ صِراعٍ وترتيبٍ للصُّوَرِ الذِّهنيَّةِ بموازاةِ الصُّوَرِ العينيَّةِ والخارجيَّةِ. يفكّر مع نفسه: «إذا قمت بهذه الأعمال فسيحصل الأمر الفلاني في الخارج» كلُّه في حالةِ تفرُّقٍ. وعلى أساسِ هذا التَّفرُّقِ يتعاملُ مع الإنسانِ، لا على أساسِ الوحدةِ. هل رأيتُم قطُّ فردًا يأتي ويُصادِقُ فردًا آخرَ دونَ أن يرى فيه أيَّ دافعٍ؟ مِن أبناءِ هذه الدُّنيا، لا شأنَ لنا الآنَ بالمعاييرِ الأخرى. يعني أن يأتيَ فردٌ ويُصادِقَ انسانًا آخرَ ويُحبَّه دونَ نفعٍ يراه فيه، دونَ منفعةٍ يراها فيه. هل رأيتُم ذلك قطُّ؟! دونَ أن يشعُرَ في نفسِه بقُربٍ منه، في جهةٍ مِن الجهاتِ الدنيويّة.
- (سورة يوسف (۱٢)، الآية ٣٩.
