
الحياة الحيوانيّة والعقلانيّة
قيمة الصَّمت في السَّير والسُّلوك
كيف نميّز بين الحياة الحيوانيّة التي تقتصر على تلبية الشهوات، والحياة العقلانيّة التي تسمو بالإنسان نحو الكمال؟ وما هي آفات الحضارة الماديّة المعاصرة التي تُبعد الإنسان عن حقيقته؟ يتناول آية الله السيد محمد محسن الطهراني هذه الأسئلة، مبيّنًا أهمية الصمت والتفكّر في السير إلى الله، وضرورة اغتنام النفحات الإلهيّة لتحقيق السعادة الحقيقية، وذلك ضمن شرحه لفقرات من دعاء أبي حمزة الثمالي.
الحياة الحيوانيّة والعقلانيّة
الوصف:
كيف نميّز بين الحياة الحيوانيّة التي تقتصر على تلبية الشهوات، والحياة العقلانيّة التي تسمو بالإنسان نحو الكمال؟ وما هي آفات الحضارة الماديّة المعاصرة التي تُبعد الإنسان عن حقيقته؟ يتناول آية الله السيد محمد محسن الطهراني هذه الأسئلة، مبيّنًا أهمية الصمت والتفكّر في السير إلى الله، وضرورة اغتنام النفحات الإلهيّة لتحقيق السعادة الحقيقية، وذلك ضمن شرحه لفقرات من دعاء أبي حمزة الثمالي.
الحياة الحيوانيّة والعقلانيّة
4ليس هذا تقدُّمًا يا عزيزي. هذا توحُّشٌ وحيوانيَّةٌ! هذه جريمةٌ، هذه بربريَّةٌ، وليستْ تطوّرًا عقليًّا! إنَّه تطوّر للشَّيطنةِ لا الضَّميرِ والأخلاقِ، إنَّه تطوّر للحيوانيَّةِ والبهيميَّةِ لا للإنسانيَّةِ والقِيَمِ الإنسانيَّةِ، ليس نطوّرًا للإنسانيَّةِ. تطوّر الإنسانيَّةِ هو ذلك التطوّر الذي يأتي فيه المرءُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه ويقولُ: سأروي لكَ ما حدثَ ليلةَ البارحةِ. فيقولُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه: وماذا كانَ؟ فيقولُ: لقد أحضروا طعامًا لجارِنا وكان هو أبناؤه جائعينَ، ونحن أيضًا كنَّا جائعينَ، وأطفالُنا أيضًا كانوا جائعينَ. فرأتْ تلك المرأةُ الجارةُ أنَّه إذا استهلكت هذا الطَّعامَ الآنَ فالأطفالُ نيامٌ، ونحن أيضًا جائعونَ، وحاليًّا هؤلاءِ الأطفالُ نيامٌ، وإلى الغدِ فاللهُ كريمٌ. فأحضرتْ هذا الطَّعامَ إلى بابِ منزلِنا وقدّمتهُ لنا، لأنَّ أطفالَنا كانوا مستيقظينَ وجائعينَ، وهي كانتْ تُدرِكُ ذلك. يعني أنَّها لم تأكلِ الطَّعامَ بنفسِها وأحضرتْهُ وأعطتْهُ للجارَةِ وقالتْ: أطفالي نيامٌ حاليًّا ويمكنُ تجاوزُ هذه المرتبةِ وتجاهلُ هذا الأمرِ. فما هذا؟ هذا هو تطوّر الضَّميرِ وتكامل الإنسانيَّةِ، تكامل مكارمِ الأخلاقِ. قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه: «بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخلاقِ»۱، لقد بُعِثتُ لِأُوصِلَ القِيَمَ الإنسانيَّةَ إلى كمالِها، لِأُوصِلَ القِيَمَ الإنسانيَّةَ والقِيَمَ الأخلاقيَّةَ إلى كمالِها، لِأُوصِلَ مكارمَ الأخلاقِ إلى كمالِها. هذا الأمرُ كما ذُكِرَ لا يختصُّ بفئةٍ دونَ أخرى. أيُّ إنسانٍ في أيِّ مرتبةٍ مِن الدُّنيا يريدُ أن يختصَّ بالمنافعِ لنفسِه ويُزيحَ الآخرينَ، في أيِّ شريحةٍ كانَ، لا فرقَ، ذلك هو عالمُ الجهلِ والجهالةِ. أن يعملَ للوصولِ إلى مرتبةٍ ما بطريقةٍ يحرمُ بها الآخرينَ مِن تلك المرتبةِ ويحصلُ هو على تلك المكانةِ، هذا هو نفسُه عالمُ الجهلِ والجهالةِ. حتَّى لو عملَ لإحرازِ مكانةٍ دينيَّةٍ بطريقةٍ يتفوَّقُ بها على الآخرينَ ويصلُ هو إلى تلك المكانةِ، فهذا أيضًا كذاك لا فرقَ بينهما. أن يعملَ للوصولِ إلى سلعةٍ والاستيلاءِ على منفعةٍ ما بطريقةٍ يظنُّ بها أنَّه يختلسُ هذا المتاعَ مِن الآخرينَ، فهذا أيضًا كذلك، لا فرقَ أبدًا. كلُّ ما هو موجودٌ يندرجُ في هذا القالبِ ويمكنُ تقييمُه في هذه المكانةِ.
اللهُ تعالى لم يرزُقْ كلَّ أحدٍ نعمةَ الهدايةِ هذه ونعمةَ انفتاحِ الآفاقِ الفكريَّةِ وإشراقِ عوالمِ الغيبِ ومراتبِ التَّوحيدِ، ولم ينَلْ كلُّ واحدٍ من الناس نصيبًا وحظًّا مِن هذا الأمرِ. وكما تقدّم ليلةَ البارحةِ، فهذا الأمرُ هو إكسيرٌ أعظم وحياةٌ وسعادةٌ أبديَّةٌ رزقَها اللهُ تعالى لبعضِ الناس وأنارَ أعينَهم على الأمورِ الواقعيّة والحقائق. في أيِّ وضعٍ هم الآخرونَ؟ فلنُشاهِدْ؛ التَّكالبُ على الدُّنيا، الأخذُ، النَّهبُ، رَسْمُ الخُطَطِ، التَّهديدُ والوعيدُ، كلُّ هذا لأجلِ ماذا؟ كلُّ هذا لأنَّ الغفلةَ هي الحاكمةُ. الجهلُ هو الحاكمُ على البشرِ، الغفلةُ والجهلُ والجهالةُ. وكم هو الإنسانُ في خُسرانٍ حقًّا حينَ لا يُخرِجُ نفسَه مِن وادي البهيميَّةِ والحيوانيَّةِ هذا! ومهمَا أرادَ الأولياءُ والأعاظمُ أن يُخرِجوا البشرَ مِن هذه المكانةِ، فهو لا يسمحُ بذلك. يقولُ الأولياءُ: «اخرُجْ مِن سجنِ الجهلِ هذا. وسِّعْ أُفُقَكَ الفكريَّ. لا تنحصِرْ في هذا المَضيقِ مِن الضَّلالاتِ ورؤيةِ الذَّاتِ والأنانيَّاتِ. أرِحْ أعصابَكَ، أرِحْ حياتَكَ. اجعلْ زوجتَكَ وأطفالَكَ مرتاحينَ. وجِّهْ فكرَكَ نحوَ أمورٍ أخرى. لا تكُنْ أسيرَ هذا وذاكَ ومقيَّدًا بأعمالِ هذا وذاكَ!» ولكن أينَ الأُذُنُ الصَّاغيةُ؟! أينَ الأُذُنُ الصَّاغيةُ؟!
- مکارم الأخلاق، ص ۸.
