
الحياة الحيوانيّة والعقلانيّة
قيمة الصَّمت في السَّير والسُّلوك
كيف نميّز بين الحياة الحيوانيّة التي تقتصر على تلبية الشهوات، والحياة العقلانيّة التي تسمو بالإنسان نحو الكمال؟ وما هي آفات الحضارة الماديّة المعاصرة التي تُبعد الإنسان عن حقيقته؟ يتناول آية الله السيد محمد محسن الطهراني هذه الأسئلة، مبيّنًا أهمية الصمت والتفكّر في السير إلى الله، وضرورة اغتنام النفحات الإلهيّة لتحقيق السعادة الحقيقية، وذلك ضمن شرحه لفقرات من دعاء أبي حمزة الثمالي.
الحياة الحيوانيّة والعقلانيّة
9عدمُ جدوى أعمالِ بعضِ أصحابِ العلومِ والفُنونِ
قبلَ أيَّامٍ قليلةٍ كنتُ أُطالِعُ كتابًا لكاتبٍ ما. كاتبٌ مُطَّلِعٌ على القضايا الإسلاميَّةِ والفلسفةِ والعِرفانِ الإسلاميِّ، ويعيشُ في الخارجِ وله هناك أنشِطةٌ. عندما كنتُ أقرأُ هذا الكتابَ، سجدتُ حقًّا وقلتُ: يا إلهي، انظُرْ، الأمورُ التي يقولُها هي نفسُها، المسائلُ التي يقولُها هناك هي نفسُها، هي نفسُ الشَّيءِ الذي سمِعْناه؛ طبعًا، بعضُها كذلك، لا أنَّه هو نفسُه تمامًا، لا، ليسَ هو نفسُه، هناك فرقٌ كبيرٌ؛ ولكن إلى حدٍّ ما، فقد سمِعَ الحقائق أيضًا، وذهبَ إلى الأعاظمِ، وزارَ هذا المكانَ وذاكَ، فقد ذهبَ إلى العلاَّمةِ الطَّباطبائيّ. ورأى أفرادًا آخرينَ، وكانَ على اتِّصالٍ بالكثيرينَ، ولكنَّه كانَ يدورُ حولَ نفسِه طوالَ الوقتِ! هذه الرحلات وهذه الحركاتُ لم تنفُذْ إلى باطنِه. والآنَ ما هي النَّتيجةُ؟ ترى أنّه مُطَّلِعٌ على المسائلِ، مُطَّلِعٌ على الفلسفةِ، مُطَّلِعٌ على المعارِفِ، ويقوم بإلقاء المحاضرات في إحدى مُدُنِ أمريكا على سبيلِ المثالِ أو بعض الأماكن الأخرى، فيذهبَ هنا وهناك ويُلقيَ المحاضراتِ ويعقِدَ المجالسَ وكذا. أيّها المسكين، لا يمكنُ العثورُ على اللهِ في تلك الأماكنِ! تراهم يعقِدونَ الجلسات، ويُنظِّمونَ الندوات، ويُقيمونَ احتفالاتٍ سنويَّةً، ويُخلِّدونَ الذِكريات، ولا أدري في أيٍّ مِنْ هذه الأيَّامِ، ويمنحونَ الميداليَّاتِ، ويجتمعُ الأطبَّاءُ والأفرادُ، ويفعلون ما شابه ذلك، ويُصفِّقونَ، ويمنحونَه شرفَ إلقاءِ مُحاضَرةٍ في المكانِ الفُلانيِّ، ولكن ما النتيجة التي تحققت؟! ما هي؟! تنظرُ إلى الكلامِ فلا تجدُ فيه عُمقًا ولا باطنًا، إنَّه جافٌّ. مِثلُ البالونِ، إذا نقرْتَه انفجَرَ. خاوٍ، فُقاعةٌ، فُقاعةٌ، فُقاعةٌ!
كانَ المرحومُ العلاَّمةُ يُعبِّرُ عن هؤلاءِ الأفرادِ بالبالونِ. ما هو البالونُ يا عزيزي؟ كلُّ ما بداخلِه هو هواءٌ، وإنَّه كبيرٌ جدًّا. فبعضُ هذه البالوناتِ، كنَّا نراها في السَّابقِ، لا أدري هل ما زالتْ موجودةً أم لا؟ سابقًا، كنَّا نرى في الاحتفالاتِ بالونًا عجيبًا جدًّا وكبيرًا جدًّا موصولاً بهذه الحبال، ولكن كلُّه هواءٌ. ويتحرَّكُ ويَلْفِتُ انتباهَ النَّاسِ، ويتجمَّعونَ هنا وهناك وينظرونَ، ولكن إذا وخَزْتَه بإبرةٍ، فجأةً يُصبِحُ فارغًا! وينتهي الأمرُ. لا شيءَ يبقى، هؤلاءِ هم هكذا أيضًا. الرِّيحُ والهواء كثيرٌ. مجالسُ، ندواتٌ، تعالَ واذهبْ، ألْقِ مُحاضَرةً، افعلْ كذا، اصعَدْ [أعلى]، احتفِلوا، كذا وكذا، يُهدونَ الجوائزَ، يُعرِّفونَ برجلِ العامِ، ويفعلون كذا وكذا. يا عبدَ اللهِ، لقد خدعوكَ بتلك العِمامةِ، لقد خدعوكَ حتَّى وصلتْ إلى سُرَّتِكَ، وأنتَ لا تدري يا مسكينُ. مسرورٌ بخمرةِ النَّصرِ ومدحهم لكَ!
