
الحياة الحيوانيّة والعقلانيّة
قيمة الصَّمت في السَّير والسُّلوك
كيف نميّز بين الحياة الحيوانيّة التي تقتصر على تلبية الشهوات، والحياة العقلانيّة التي تسمو بالإنسان نحو الكمال؟ وما هي آفات الحضارة الماديّة المعاصرة التي تُبعد الإنسان عن حقيقته؟ يتناول آية الله السيد محمد محسن الطهراني هذه الأسئلة، مبيّنًا أهمية الصمت والتفكّر في السير إلى الله، وضرورة اغتنام النفحات الإلهيّة لتحقيق السعادة الحقيقية، وذلك ضمن شرحه لفقرات من دعاء أبي حمزة الثمالي.
الحياة الحيوانيّة والعقلانيّة
8وخصوصًا في الأشهرِ الحُرُمِ وفي الأشهرِ المحترَمةِ كرجبٍ وشعبانَ ورمضانَ، وكذلك في الأوقاتِ الخاصَّةِ والأزمنةِ الخاصَّةِ التي يكونُ فيها لُطفُ اللهِ تعالى وعناية بشكلٍ آخرَ، نرى أنَّنا في مِثلِ هذه المواقفِ نُضيِّعُ الفُرصةَ. يعني تمامًا في الوقتِ الذي ستنزل الرحمة على أحد الأفراد، أو أنْ تأتيَ له بارقةٌ، أو نفحةٌ. فجأةً يقولُ الرَّفيقُ الجالس جنبه: "يا فُلانُ، ماذا حدثَ؟" فينتهي الأمرُ ويذهب كلّ شيء، والآنَ متى ستأتي هذه النَّفحةُ والبارقةُ مرَّةً أخرى؟! أو هو نفسُه يتكلَّمُ فهذا أيضًا كذلك. رحمةُ اللهِ تعالى تلك، والبارقةُ تلك تستقرُّ في القلبِ الهادئِ، لا ذلك القلبِ الذي يتكلَّمُ. لا تستقرُّ في ذلك القلبِ الذي يتكلَّمُ. لماذا؟ لأنَّه في حالةِ تموُّجٍ ودورانٍ. في حالةِ اضطرابٍ، وعلى القلبِ المضطَرِبِ لا تَرِدُ الجذباتُ الإلهيَّةُ والنَّفحاتُ الإلهيَّةُ. يجبُ أنْ يكونَ القلبُ هادئًا، يجبُ أنْ يكونَ القلبُ متوجِّهًا حتَّى تتمكَّنَ تلك النَّفحاتُ مِن المجيءِ إليه.
وصيَّةُ المرحومِ آيةِ اللهِ القاضي رضوانُ اللهِ عليه بشأنِ اغتنامِ الحضورِ
ذاتَ مرَّةٍ كانَ المرحومُ القاضي رضوانُ اللهِ عليه جالسًا في مجلس، وكانَ يتحدَّثُ عن الحضورِ القلبي، وأنَّه يجبُ اغتنامُ الحضورِ القلبي. الحضورُ القلبي يعني تركيز الذهن والتَّوجُّهَ إلى المبدأِ والتركيز على النفس، وكانَ يقولُ أنَّه يجبُ اغتنام هذه الحالة؛ وفي هذه الأثناءِ كانَ فرد يمرُّ مِن الزُّقاقِ فضرَبَ شيئًا بالجدارِ، فصدَرَ صوتُ "طَقْ"، فقال: «في بعضِ الأوقاتِ، نفس هذا الصَّوتِ "طَقْ" يُزيلُ ذلك الحضورَ ولا يعودُ مرَّةً أخرى.» يعني في تلك اللَّحظةِ كانَ يجبُ أنْ تأتيَ تلك البارقةُ والنَّفحةُ وتُصيبَ القلبَ، وصَوتُ "طَقْ" هذا تسبَّبَ في اضطرابِ ذلك القلبِ، ومع الاضطرابِ لم تعُدْ تلك البارقةُ تستقرُّ في الرُّوحِ ولا تأتي لتستقرَّ فيه، إلى هذا الحدِّ الأمرُ مهمٌّ!
اغتنامُ التَّوفيقاتِ التي ننالُها مِنْ رحمةِ اللهِ تعالى الخاصَّةِ
على كلِّ حالٍ، هذا الجانبُ الذي هو جانبُ عنايةِ اللهِ الخاصَّةِ، محترَمٌ جدًّا ومُغتَنَمٌ جدًّا، وحقًّا مهمَا فكَّرْنا في هذا الأمرِ، لا يصِلُ تفكيرنا إلى شيء. هل فكَّرْنا حقًّا في أنفسِنا حتَّى الآنَ وبحثْنا هذا الأمرَ، أنّه يا إلهي لو لم تكشِفْ لنا هذه الأمورَ، فماذا كُنّا سنفعل؟! يا إلهي لو لم تضَعْنا في هذه الظروف، فمن أينَ كان بإمكانِنا أنْ نحصُلَ على هذه المعارف؟! ومن أينَ كانَ بإمكانِنا أنْ نصِلَ إلى هذه النقاط؟! فليسوا قلَّةً الذين هم على درايةٍ بهذه الأمورِ مِن النَّاحيةِ العلميَّةِ والنَّظريَّةِ. فيكتبونَ الكُتُبَ، ويقومونَ بأمورٍ.
