
الحياة الحيوانيّة والعقلانيّة
قيمة الصَّمت في السَّير والسُّلوك
كيف نميّز بين الحياة الحيوانيّة التي تقتصر على تلبية الشهوات، والحياة العقلانيّة التي تسمو بالإنسان نحو الكمال؟ وما هي آفات الحضارة الماديّة المعاصرة التي تُبعد الإنسان عن حقيقته؟ يتناول آية الله السيد محمد محسن الطهراني هذه الأسئلة، مبيّنًا أهمية الصمت والتفكّر في السير إلى الله، وضرورة اغتنام النفحات الإلهيّة لتحقيق السعادة الحقيقية، وذلك ضمن شرحه لفقرات من دعاء أبي حمزة الثمالي.
الحياة الحيوانيّة والعقلانيّة
13«وَالْعَآئِدُ عَلَيهِمْ بِتَحَنُّنِ رَأْفَتِك» يا إلهي، أنتَ الذي استمرَرْتَ في رأفتِكَ ورحمتِكَ التي تشملُ عِبادَكَ. «إِلٰهي رَبَّيتَني في نَعَمِك وَإِحْسَانِك صَغيراً». يا إلهي، لقد ربَّيْتَني في صِغَري وأنعمْتَ عليَّ بنعمةِ الحياةِ وهيَّأتَ الأسبابَ لتربيتي جِسمًا وروحًا. «وَنَوَّهْتَ بِاسْمي كبيراً» ورفعتَ اسمي في الكِبَرِ.
يبدو أنَّنا كان مِن المفترَضِ أنْ نتحدَّثَ عن هذه الفقرةِ، فقد وقعت عيني الآنَ على السَّاعةِ ورأيتُ أنَّ الوقتَ قد تجاوَزَ السَّاعةَ على ما يبدو، صحيح يا عزيزي؟! حسنًا جدًّا، إنْ شاءَ اللهُ لنْ نكونَ موضعَ مُؤاخَذةٍ مِن الرُّفقاءِ! لنْ نكونَ موضعَ مُؤاخَذةٍ مِن الرُّفقاءِ، ولكن على أيِّ حالٍ، الآخرونَ ربَّما يُؤاخِذونَ! على أيِّ حالٍ، يجبُ أنْ تُؤخَذَ جميعُ الحقوقِ بعين الاعتبارِ هنا. على أيِّ حالٍ، هي مجالسُ أُنسٍ ومحبَّةٍ ومودَّةٍ، وليالي شهرِ رمضانَ، والإنسانُ لا يلتفِتُ إلى مُرورِ الوقتِ. على أيِّ حالٍ، كنَّا ننوي أنْ ننتهيَ مُبكِّرًا قليلًا حتَّى يتمكَّنَ الأفرادُ والأصدقاءُ والرُّفقاءُ مِنْ إنجازِ أعمالِهم. على أيِّ حالٍ، هذه ليالٍ لا يمكنُ حقًّا العثورُ على مِثلِها. كنتُ أقولُ اليومَ لعائلتي أنَّ شهرَ رمضانَ قد انتهى. قالوا: ماذا انتهى؟! اليومُ هو الثَّامنُ من رمضان! قلتُ: نحنُ لم نشعُرْ بهذه الأيَّامِ الثَّمانيةِ أصلًا! ستأتي اثنانِ وعشرونَ يومًا أخر، ويرى الإنسانُ كيفَ أنَّ هذه النِّعَمَ الإلهيَّةَ جاريةٌ هكذا، ولكنَّنا لسنا أهلًا ولا لائقينَ لإدراكِها، إلّا أنْ يتفضَّلَ اللهُ تعالى نفسُه، مِنْ تلك النَّفَحاتِ التي هبَّتْ على الأعاظمِ في هذا الشَّهرِ، وشملتْ رحمةُ اللهِ تعالى ورأفتُه الخاصَّةُ عِبادَه فيرزُقَنا نصيبًا منها، وبواسطةِ أنفاسِ أولياءِ اللهِ والأعاظمِ، يتلطَّفُ اللهُ تعالى بنا أيضًا. على أيِّ حالٍ، قُلنا لا تطولَ المجالسُ أكثرَ مِنْ هذا حتَّى يتمكَّنَ الرُّفقاءُ مِنْ إنجازِ أعمالِهم، والدعاء والذِكْر، والسَهَر في هذه اللَّيالي.
نحنُ أيضًا كنَّا نرى في حالاتِ المرحومِ العلاَّمةِ أنَّه تقريبًا مِنْ مُنتصَفِ شهرِ رمضانَ فصاعدًا، كانَ مستيقظًا تقريبًا ثلاثةَ أرباعِ اللَّيلِ أو ثُلُثَيْهِ، وكانَ ينامُ أقلَّ، وفي تلك العَشْرِ الأواخِرِ، كنَّا نُشاهِدُ أنّ المرحومِ العلاَّمةِ ينام فقط بمقدارِ رفْعِ التَّعَبِ والضَّرورةِ.
إنْ شاءَ اللهُ نأملُ أنْ يُعامِلَنا اللهُ تعالى برأفتِه وفضلِه، وأنْ يجعلَ نفوسَنا، التي ليستْ أهلًا لكلِّ هذه البركاتِ وهذه الأمورِ، مُستعدَّةً بفضلِه لإدراكِ بركاتِه ونِعَمِه في هذا الشَّهرِ.
