
كيف تكون معرفتك دليلك إلى الله لا إلى سواه؟
ولاية إمام الزمان عليه السلام المطلقة
كيف تكون المعرفة الحقّة بالله دليلاً إليه مباشرة وليس إلى آثاره؟ وما هي مراتب معرفة إمام الزمان عليه السلام وحدود التسليم له؟ وما هي مرتب الجنّة؟ تتناول هذه المحاضرة، التي ألقاها آية الله الحاج السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدّس اللّه سرّه، هذه الأسئلة العميقة في ضوء كلام الإمام السجاد عليه السلام: معرفتي يا مولاي دليلي عليك.
كيف تكون معرفتك دليلك إلى الله لا إلى سواه؟
4كانوا يعترضون على المرحومِ الشيخِ محمّد حسين الكمباني قائلين: «يا عزيزي، هذه الأمورُ التي تقولها وهذه المسائلُ وهذه الأحاديثُ والعباداتُ التي تطرحها، كيف يمكنُ أن تكونَ هكذا؟». كان المرحومُ الشيخُ محمّد حسين من الأعاظم، ومن الزهّادِ والعبّاد، كان رجلًا جليلَ القدرِ جدًّا. حقًّا عندما يقرأُ الإنسانُ أشعارَهُ ينتشي. هؤلاءِ كانوا حقًّا عظماء، وإن لم يصلوا إلى مراتبِ التوحيد، ولكن على كلِّ حالٍ لم يُضيِّعوا أيّامَهم سُدًى، لقد أتعبوا أنفسِهم. فمثلًا هذه الأشعارُ عن أميرِ المؤمنينَ عليه السلام عندما يقول:
چه شوری شد بپا از یک جهان شور *** نه از طی سجلّ و لوح منشور عجب شوری در این ظلمت سرا شد *** به گوش ساکنانِ عالم نور به گوش اهل دل، فریاد جبریل *** حکایت میکند از نفخه صور يقول: یا له من ضجيج صدر من العالم المشتاق *** وليسَ بسبب طيّ السجلِّ واللوحِ المنشورِ
عجيبٌ هذا الضجيج الذي قام في دارِ الظلماتِ هذه *** ووصلَ إلى مسامعِ سكّانِ عالمِ النورِ
إلى مسامعِ أهلِ القلوب، صرخةُ جبريلَ *** تحكي عن نفخةِ الصورِ
ولا يمكن أن يقول هذه الأشعارُ إلا الشيخ الكمباني ومن هو في هذه الحالِ وفي هذه المراتبِ. الآخرون لم يعرفوا أميرَ المؤمنينَ عليه السلام، لم يعرفوا أميرَ المؤمنينَ عليه السلام!
نموذجٌ من الارتباطِ بينَ مقامِ الولايةِ وعالمِ الخَلق
عندما جاءَ جبريلُ عليه السلام في ليلةِ الضربةِ وقال: «تَهَدَّمَت واللهِ أرکانُ الهُدیٰ وَ انطَمَسَت العُروَةُ الوُثقیٰ، قُتِلَ عليّ المرتَضی، قَتَلَهُ أشقَی الأشقیاءِ»۱. عندما طُرِحَت هذه المسألةُ في مكانٍ ما، حمَلَها الجميعُ على أنّ جبريلَ عليه السلام كان مأمورًا من قِبَلِ اللهِ أن يهبط ويقولَ هذا الكلام. فهذا الأمرُ وهذا الكلام ـ من أنّ هناك ارتباطًا بينَ هذه القضيّةِ وبينَ هذا الحادث الذي أصاب روح عالمِ الخَلقِ وحبلَ اللهِ المتينِ الذي هو واسطةٌ بينَ الذاتِ الأحديّةِ وعالمِ الإمكانِ ـ لا يفهمُه أحد. عندما جاءَ جبريلُ عليه السلام وقالَ هذا الكلام، لم يكن الأمرُ بيدِهِ أنّه جاءَ وقالَه؛ فهذا الكلامُ هو مقتضى هذا العملِ وهذا الارتباط، هو مقتضى هذه الحادثةِ، ظهورُ الدمِ تحتَ الحجارةِ في جميعِ الأماكنِ لعدّةِ أيّام. لاستشهادِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام، في كثيرٍ من الأماكنِ، من جملتِها بيتُ المَقدِس، عندما كانوا يرفعون الحجارةَ كان تحتَها دمٌ عبيط!٢ ولكن البعضُ يخطئون فيقولون: «نعم، في النهايةِ كانت عنايةً إلهيّة، لقد عنى اللهُ وأرادَ أن يُظهِرَ مقامَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام ومكانتَه.» وعندما قُتِلَ سيّدُ الشهداءِ عليه السلام، وبقي يرى في كثيرٍ من الأماكنِ دمٌ عبيطٌ تحتَ الأحجار٣، دمٌ جديد حتّى أربعينَ يومًا. هذا الارتباطُ بينَ الولايةِ وعالمِ الخَلقِ أصلًا لا يعرفُهُ أحد. لا أحدَ يعرفُه، ما هذا؟ مَن يعرفُ هذه الأمور؟ هذه الأمورُ يعرفُها العارف. هذه الأمورُ يعرفُها وليٌّ من أولياءِ الله. هذا الأمرُ الذي أريدُ أن أذكره لكم كان مقدّمةً لأمرٍ يجبُ أن نقولَهُ لاحقًا بخصوصِ هذه المسألة. يقولون: كيف يمكنُ لأميرِ المؤمنينَ عليه السلام أن يُصلّيَ ويُغمى عليهِ في الصلاةِ ويسقط؟ أصلًا ما معنى هذا الكلام يا عزيزي؟! هل هذا ممكن؟! كيف يمكنُ أن يُخرِجوا السهمَ من قدمِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام في الصلاةِ وهو لا يشعر؟! هذه الرواياتُ كلُّها مُختلَقة! هذه كلُّها لا سندَ لها! كيف يمكنُ أن تكونَ مثلُ هذه الأحداثِ قد وقعَت؟!
- بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ٢٩٥.
- السيوطى، الخصائص الكبرى، ج ٢، ص ۱٢٤: وأخرج الحاكمُ والبَيهقى وأبونعيم عن الزهرىّ قال:" لما كان صباحُ قتلِ علىّ بن أبي طالب، لم يرفَع حَجَرٌ فى بيت المقدس إلّا وُجِد تحته دَمٌ!" وأخرج أبو نعيم من طريق الزّهرى عن سعيد بن المسيّب، قال: "صَبيحة يوم قتلِ عليّ بن أبي طالبٍ، لم تُرفَع حَصاةٌ مِن الأرض إلّا وتحتها دمٌ عبيطٌ.»
- قال الطبري: «...وعن ابن شهاب، قال لما قُتِل الحسين (رضي الله عنه) لم يُرفع أو لم يُقلع حجر بالشام إلّا عن دم»[۱].
وقال ابن عساكر: «...حدثني عمر بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه قال: أرسل عبد الملك إلى ابن رأس الجالوت[٢]، فقال: هل كان في قتل الحسين علامة؟ قال ابن رأس الجالوت: ما كُشف يومئذ حجر إلّا وُجِدَ تحته دم عبيط»[٣]. وعن الهيثمي[٤] والبيهقي[٥] والإصبهاني[٦]
[۱] اُنظر: الطبري، أحمد بن عبد الله، ذخائر العقبى: ص ۱٤٥.
[٢] رأس الجالوت: هو لقب أمير الجماعة اليهودية في بلاد الرافدين قبل الإسلام وبعده.
[٣] ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج ۱٤، ص ٢٣۰.
[٤] الهيثمي، علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد: ج٩، ص۱٩٦.
[٥] اُنظر: البيهقي، أحمد بن الحسين، دلائل النبوّة: ج۷، ص٣۷٣.
[٦] اُنظر: الإصبهاني، أبو نعيم، معرفة الصحابة: ج٥، ص ٣٢٩.
