
كيف تكون معرفتك دليلك إلى الله لا إلى سواه؟
ولاية إمام الزمان عليه السلام المطلقة
كيف تكون المعرفة الحقّة بالله دليلاً إليه مباشرة وليس إلى آثاره؟ وما هي مراتب معرفة إمام الزمان عليه السلام وحدود التسليم له؟ وما هي مرتب الجنّة؟ تتناول هذه المحاضرة، التي ألقاها آية الله الحاج السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدّس اللّه سرّه، هذه الأسئلة العميقة في ضوء كلام الإمام السجاد عليه السلام: معرفتي يا مولاي دليلي عليك.
كيف تكون معرفتك دليلك إلى الله لا إلى سواه؟
3الميلُ إلى الأمورِ المعنويّةِ محكٌّ لمستوى العبوديّة
فلننظر لنرى ما مدى اهتمامِنا وهِمّتِنا بتلك الأمورِ المتعلّقةِ باللهِ والعبوديّة؟ عندما نريدُ أن نقرأَ كتابًا، فما مدى ميلِنا إليه، ولكن عندما نريدُ أن نقرأَ القرآنَ، ما مدى ميلِنا إليه؟ لنجرِ الآن اختبارًا لأنفسِنا في قلوبِنا. سنرى أنّ جميعَ الدرجاتِ هي درجاتُ رسوب. الآن أنا أتحدّثُ عن نفسي، حتّى لا أُسيءَ الأدبَ إلى الرفقاءِ لا سمحَ الله، اعذروني. لقد كان الكلامُ إساءةَ أدب، أنا أتحدّثُ عن نفسي. ليس الأمرُ أنّنا لا نقرأُ القرآنَ، لا! نقرأُ القرآنَ ولكن بأيِّ حالٍ نقرأُه، ذلك هو المهمّ.
عندما كان يوشكُ وقتُ الصلاةِ أن يدخل، لم يكن رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله يعرفُ أحدًا. أي بمجرّدِ أن يوشكَ وقتُ الصلاةِ أن يدخلَ وقبلَ رُبعِ ساعةٍ من صلاةِ الظهرِ أو صلاةِ المغربِ وغيرِها، كان أصحابُ النبيِّ صلّى الله عليه وآله ينقلونَ أنّنا عندما كنّا نتحدّثُ مع النبيِّ صلّى الله عليه وآله، لم يكن يُجيبُنا جيّدًا، ولم يعد يلتفت. كان رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله يرى أنّ وعدَ اللقاءِ يقتربُ شيئًا فشيئًا. لم يعد يعرفُ أحدًا، ولم يعد يلتفتُ إلى هذه الدنيا، وإذا أرادَ أن يتأخّرَ قليلًا كان يقول: «أرِحنا يا بلالُ».۱ يا بلالُ، قم فأرِحنا. قم فأذِّن وأخرِجنا من هذه الكثرات. لم يكنِ النبيُّ صلّى الله عليه وآله يجلسُ مع الناسِ ليقصَّ عليهم قصّةَ ليلى والمجنونِ أو مثلًا ليشاهدَ معهم فيلمًا. ماذا كان يفعلُ النبيُّ صلّى الله عليه وآله؟! كانت أحاديثُهُ كلُّها عن اللهِ والقيامةِ والأحكامِ والأخلاقِ وهذه الأمور؛ ولكن حتّى هذا لم يكنِ النبيُّ صلّى الله عليه وآله يُطيقُه، حتّى هذا لم يكن يتحمّلُه. انظروا كم هو مستوى المعرفةِ لدى النبيّ، إنّه يتحدّثُ عن اللهِ ولكنّه يرى أنّ هذا الحديثَ عن اللهِ لم يستطع أن يُخرِجَهُ من ذلك التعلّقِ بالكثراتِ بواسطةِ هذه المظاهرِ والاشتغالات. يريدُ أن يجعَلَهُ مائةً بالمائة. ما هو المائةٌ بالمائة؟! ففي الصلاةِ لا يسألون النبيَّ صلّى الله عليه وآله، على الأقلِّ في الصلاةِ يتركونَه مرتاحًا، كلُّ هذه الأحاديثِ تستمرّ إلى وقتِ الصلاة. يعلمُ النبيُّ صلّى الله عليه وآله أنّه في الصلاةِ لن يأتيَ أحدٌ ليسألَهُ شيئًا، يعلمُ أنّه في الصلاةِ لن يأتيَ إليه أحدٌ، في الصلاةِ يكونُ التوجُّهُ تامًّا مائة بالمائة، الاتّصالُ اتّصالٌ مائة بالمائة، لم يعد يعرفُ معه أحدًا. والآن فلنأتِ وننظر لنرى نحن، كم في قلوبِنا وفي ضمائرِنا وفي طلبِنا من اهتمامٍ بوقتِ الصلاة. كم نحنُ ملتفتون؟ هذا الأمرُ الذي ذكرته للرفقاءِ في الليالي السابقةِ بخصوصِ ذلك الرجلِ الذي كان يرتدي ربطةَ عنقٍ وما إلى ذلك وتفوتُهُ الصلاة، هذه المسألةُ كانت موجودةً أيضًا لدى المعمَّمين! لا تظنّوا أنّها خاصّةٌ به. ذلك السيّدُ المعمَّمُ الذي يظلّ جالسًا حتّى الساعةِ الحاديةَ عشرةَ يتحدّثُ وما إلى ذلك ثمّ يقومُ ليُصلّي، فهو أيضًا مثلُ ذاك، على أيّ حالٍ لم يدع صلاتَهُ تفوتُ، ولكن هو مثله. ذاك بلغ النهاية، وهذا حتّى الرمقِ الأخيرِ فقال: «فلنقم بهذا العمل لرفعِ التكليفِ».
- مفتاح الفلاح، ص ١٤١؛ رسائل شهید ثانی (رسالۀ اسرار الصلاة)، ص ١٢٠؛ بحار الأنوار، ج ٧٩، ص ١٩٣.
