لماذا لا تكفي دراسة الفلسفة والعرفان؟
5لقد جئنا ولخَّصنا كلَّ معرفةِ الشَّریعةِ في جانب واحدٍ فقط، جانب الجهادِ فقط، جانب السّیاسةِ فقط. كأَنَّ النَّبيَّ صلَّى اللّهُ علیهِ وآلهِ حتَّى إمامَ الزَّمانِ علیهِ السَّلامُ إلَى زمانِنا هذا لم یعرفوا شیئًا سوَى الجهادِ یضربونَ، ويهرُبونَ، ویفعلونَ كذا، مثلَ المغیرينَ هنا وهناكَ، لا عملَ آخر لديهم، لا یصلُّونَ ولا یحجُّونَ ولا یدعونَ، ولا یستغیثونَ، لا یبتهلونَ، ولا یبكونَ، ولا یقولونَ يا اللّهُ، لا یذكرونَ الله، لا شيء، لا شيء، لا یعرفونَ أَيَّ عملٍ هؤلاءِ، فقط الجهادُ. ولو أَنَّ أحدَ الأئمَّةِ عليهم السَّلامُ، لا سمحَ اللّهُ، لا سمحَ اللّهُ، لا سمحَ اللّهُ، قصَّرَ في أحدِ هذه المیادینِ الجهادیَّةِ، ولو قلیلًا، لنشأ لدينا قلقٌ واضطرابٌ وقلنا: ما هذا ولنرَ ما الأمرُ ولعلَّ خطأً قد وقعَ! لعلَّ...! لو أردنا أَنْ نُرفقَ بذلكَ الإمامِ كثیرًا، نقولُ: لم یستطعْ أَنْ یُؤدِّيَ واجبَهُ كما یجبُ، لم یستطعْ، لم تكنِ الظُّروفُ مواتیةً لهُ، خلاصةَ القولِ، عندما نُریدُ أَنْ نردَّ علَى الإمامِ السَّجَّادِ علیهِ السَّلامُ بِأدبٍ، نعبِّرُ هكذا، بِأدب!
فما حال هذا؟ إنّه لا یملكُ معرفةً. ركَّزَ مجموعةً مِنَ الأُمورِ في ذهنهِ ثُمَّ یأتي لیلعبَ بهذه التَّخیُّلاتِ، یلعبَ مسرحیَّةً، یُمثِّلَ. غایةُ المسألةِ هي هذه، وهي مؤسفةٌ جدًّا، مُخجلةٌ ومؤسفةٌ جدًّا، أَنْ نشاهدَ ونرَى أنَّهُ في بعضِ الأوقاتِ، تصلُ إلَى أسماعِنا أَو تُرى تأییداتٌ لأُمورِ هذا الرجل مِنَ البعضِ! فلنتجاوز عن هذا.
ما هي حقيقة المعرفة وكيف تتحقق في القلب؟
هذه المعرفةُ عبارةٌ عن تلكَ الحقائقِ العلمیَّةِ التي یضعُها اللّهُ تعالَى في قلبِ الإنسانِ تُجاهَ نفسهِ وتُجاهَ أسمائهِ وصفاتهِ، وتلكَ الحقائقُ العلمیَّةُ تتسبَّبُ في توجیهِ الرُّوحِ نحو تلكَ الحقائقِ والوقائعِ. هذا هو السَّببُ. «العلمُ نورٌ یقذفُهُ اللّهُ في قلبِ مَنْ یشاءُ العلمُ»۱، نورٌ المعرفةُ نورٌ یُلقیهِ اللّهُ في قلبِ مَنْ یشاءُ.
تقدّم للرُّفقاءِ في اللَّیالي الماضیةِ أَنَّ الاطِّلاعَ علَى المباني الحكمیَّةِ والفلسفیَّةِ یفتحُ طریقَ الإنسانِ نحو المقصودِ ونحو المحبوبِ، والاطِّلاعَ علَى المباني العرفانیَّةِ یُنیرُ قلبَ الإنسانِ ویجلوه ویُهیِّئُ أفكارَ الإنسانِ لِلحقائقِ المكنونةِ والمخزونةِ ویُنیرُها. فمَنْ لم یدرسِ الفلسفةَ، لو درسَ الفقْهَ ألفَ عامٍ، لا یستطیعُ أَنْ یفهمَ خصوصیَّاتِ اللّهِ تعالَى. مسائلُ الزَّكاةِ والخُمسِ والتِّجارةِ ما علاقتُها بمعارفِ ومبادئِ المبدأِ والمعادِ؟ ما علاقتُها؟! مسائلُ الطَّهارةِ والنَّجاسةِ والاستصحابِ والتَّذكیةِ وعدمِ التَّذكیةِ والطَّهارةِ ما علاقتُها بمباني المبدأِ والمعارفِ الإلهيَّةِ؟ هي أحكامٌ تتعلَّقُ بِالجوارحِ ولا علاقةَ لها بِالجوانحِ. وعلَى الإنسانِ أَنْ یسیرَ في حیاتهِ في هذه الدُّنیا وفقَ المسلكِ الصَّحیحِ الذي حدَّدهُ الشَّرعُ وهو الفقْهُ نفسُهُ، ولكنَّ المسائلَ الاعتقادیَّةَ لا علاقةَ لها بهذا. لا علاقةَ لها، یجبُ أَنْ یبحثَ عن شيءٍ آخرَ.فلو درسَ الفقْهَ ألفَ عامٍ، لن یعرفَ اللّه؟ ما هي الأسماءُ الإلهیَّةُ؟ ما هي الصِّفاتُ الإلهيَّةُ؟ فهل هذه الأُمورُ موجودةٌ في الفقْهِ؟ هل هذه الأقوالُ هي في الفقْهِ؟! هل هذه الأقوالُ هي في الأُصولِ؟! ما لم تُدركْ جیِّدًا مسألةَ قاعدةِ "بسیطِ الحقیقةِ" فلا یمكنُكَ أَنْ تشاهدَ جانبَ الوحدةِ في الكثرةِ. ما لم تصلْ إلَى قانونِ العلِّیَّةِ، فلا یمكنُكَ أَنْ تُدركَ مسألةَ اتِّحادِ الاسمِ والرَّسمِ مع الذَّاتِ وتوحیدَ الأسماءِ وتوحیدَ الأفعالِ. ما لم نصلْ إلَى قاعدةِ صرافةِ الوجودِ في الفلسفةِ والعرفانِ النَّظريِّ، فلا یمكنُنا أَنْ نفهمَ آیاتِ القرآنِ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهرُ وَالْبَاطِنُ﴾٢، بماذا تُفهمُ هذه؟ هل تُفهمُ برواياتِ الزَّكاةِ؟ هل تفهم هذه الآیاتُ برواياتِ الغلَّاتِ؟ هل تُفهم أَمْ أنَّها تحتاجُ إلَى مفتاحٍ آخرَ، وطریقٍ آخرَ؟
- مصباح الشريعة، ص ۱٦
- سورة الحدید (٥۷) الآیة ٣.

