لماذا لا تكفي دراسة الفلسفة والعرفان؟
12قصّة الرجل الذي أمره المرحوم العلامة بترك كثرة المطالعة: متى يكون العلم حجاباً؟
ذاتَ یومٍ قالَ المرحومُ العلَّامةُ لأحدهم: "كم تُطالعُ؟! فبدلاً مِنَ المطالعةِ، تعالَ وحرِّرْ فكرَكَ قلیلًا، افتحْ فكرَكَ. تشتري الكتبَ بِاستمرارٍ وتقرأُ بِاستمرارٍ. اتركْ هذه الأُمورَ جانبًا، اهتمَّ بنفسِكَ قلیلًا. قالَ لي: أتعجَّبُ كیفَ أَنَّ السَّیِّدَ، مع وجودِ هذا الاستعدادِ لديَّ، كانَ یرتدي بدلةً، لم یكنْ طالبَ علومٍ دینیَّةٍ، كانَ موظَّفًا. أنا الذي لديَّ مثلُ هذا الاستعدادِ لِلمطالعةِ، ولديَّ مثلُ هذه الفرصةِ الآن أیضًا، جاءَ وحرمني مِنْ قراءةِ الكتبِ. قلتُ: نعم! أصلًا ما شأنُكَ بهذا السَّیِّدِ؟ اتركْهُ جانبًا، فانهضْ واقرأْ كتابًا. لماذا أصلاً تطيعه؟! قلتُ لهُ: أَيُّ سیِّدٍ هذا إنّه یقولُ لكَ كنْ أُمِّیًّا، فهل هذا أصبحَ سیِّدًا؟ فانهضْ وطالع الكتب!"
فقالَ: ماذا تقول؟
فقلتُ: يا عزيزي، هو یریدُ أَنْ یُنقذَكَ مِنْ نفسِكَ، لقد علقتَ في نفسِكَ وفي كومةٍ مِنَ الأُمورِ الجوفاءِ التي في رأسِكَ الأجوفِ. كنتُ أقولُ لهُ هكذا، ولست أمازحُ أحدًا. قلتُ: لقد ملأتَ كومةً مِنَ الأُمورِ الباطلةِ في رأسِكَ الأجوفِ، وهي لا تدعُكَ تخرجُ، لا تدعُكَ تُحرِّرُ فكرَكَ. وهو یریدُ أَنْ یُصلحَ هذا. هذه الأُمورُ مفیدةٌ إلَى حدٍّ ما، نافعةٌ إلَى حدٍّ ما، بحیثُ یُحفظُ جانبُها النُّورانيُّ. یُحفظُ جانبُها الطَّریقيُّ، لا أَنْ تصبحَ هي نفسُها الموضوعَ، لا أَنْ تصبحَ هي نفسُها الأصلَ، ولا أَنْ تصبحَ هي نفسُها حجابًا.
ما هي المعرفة التي دعا إليها الإمام السجاد عليه السلام؟
لذا یقولُ الإمامُ السَّجَّادُ علیهِ السَّلامُ: "معرفتِي بكَ"، معرفةٌ لم أقرأْ فيها فقط شفاءَ ابنِ سینا وكتابَ صدرِ الدِّینِ القونَويِّ والشَّیخِ شهابٍ السُّهرورديِّ. لديَّ معرفةٌ بكَ. هذه الأُمورُ في ذهني عنكَ قد ملأتْ قلبي، جاذبیَّتُهُ قد شدَّتْ قلبي نحوها، شدَّتْني نحوها، هذه الحقائقُ قد جذبتِ انتِباهَ قلبي نحوها. هذا یتسبَّبُ في أَنْ أُنجذبَ نحوَكَ. هذه المعرفةُ. إذًا، المعرفةُ التي یقولُها الإمامُ السَّجَّادُ علیهِ السَّلامُ عبارةٌ عن معرفةِ اللّهِ تعالَى، هذه المعرفةُ بِاللّهِ تعالَى مقترنةٌ بِالنُّورانیَّةِ لا بِالظُّلمةِ. المعرفةُ المقترنةُ بِالظُّلمةِ لیستْ "دلیلًا علیكَ" لأنَّ هذینِ متناقضانِ. ذلكَ الذي یقرأُ الفلسفةَ لیتمكَّنَ مِنَ الرَّدِّ علَى الشُّبهاتِ ویشتهرَ اسمُهُ هنا وهناكَ، لیسَ علمه "دلیلًا علیكَ"، مائةَ عامٍ یدورُ حولَ نفسهِ كحمارِ الرَّحَى. ذلكَ الذي یُدرِّسُ العرفانَ لِمجرَّدِ أَنْ یكونَ لدیهِ شغلٌ، ولكنَّهُ لا یُقیِّدُ نفسَهُ ولا یُكلِّفُها ولا یُلزمُها بِاتِّباعِ تلكَ الأُمورِ والحقائقِ، فهذا ممثِّلٌ بصراحةٍ تامَّةٍ. هذا لیسَ "دلیلًا علیكَ". لذا نرَى في التَّوجُّهاتِ، بدلًا مِنْ أَنْ یتوجَّهوا نحو الحقِّ، یتوجَّهونَ نحو الباطلِ. لماذا؟ لأنَّهم لا یملكونَ نورًا. في الوقائعِ والحوادثِ التي تقعُ، بدلًا مِنْ أَنْ یتَّجهَ نحو الواقعِ والنُّورِ، یتَّجهُ نحو الطَّرفِ الآخرِ. يا سیِّدي، اذهبْ وافعلْ هذا العملَ، حسنًا، هذا العملُ فیهِ إشكالٌ، خطأٌ، لا نورَ فیهِ، القلبُ متوجِّهٌ إلَى غیرِكَ. یُرشدُ ولكن لیسَ نحو اللّهِ، بل نحو غیرِ اللّهِ. يا عزیزي، أنتَ كنتَ أُستاذَ فلسفةٍ لِثلاثینَ عامًا، فلماذا حدثَ هكذا؟ فأَيُّ یدٍ أمسكتْ بكَ؟ هذه المطالعاتُ، هذه الدُّروسُ، هذه المعاناةُ، أَيُّ یدٍ أمسكتْ بكَ؟ هذا الذي یجبُ أَنْ یُظهرَ نفسَهُ هنا، فلماذا ظهرَ هكذا؟ لأنَّ القلبَ لم یكنْ متَّجهًا نحو ذلكَ الاتِّجاهِ. القلبُ متَّجهٌ نحو اتِّجاهٍ آخرَ. عندما یكونُ القلبُ متَّجهًا نحو اتِّجاهٍ آخرَ، فإنَّ الأُمورَ التي تمرُّ علَى ذلكَ القلبِ، تلكَ الأُمورُ لا اتِّجاهَ لها نحو المبدأِ، بل فیها انحرافٌ. حسبَ مقدارِ انحرافِ القلبِ، بذلكَ المقدارِ. بنفسِ القدرِ الذي ألزمنا أنفسَنا بِالانقیادِ والطَّاعةِ، بنفسِ ذلكَ القدرِ لدینا توجُّهٌ إلَى المبدأِ، بنفسِ ذلكَ القدرِ. الآن سواءٌ كانَ العلمُ كثیرًا أَمْ قلیلًا، مرتبةُ المعرفةِ تكتسبُ هذه الرُّتبةَ وتتفاوتُ شدَّةً وضعفًا بِواسطةِ النُّورِ الذي في القلبِ.

