لماذا لا تكفي دراسة الفلسفة والعرفان؟
3هذا الصَّوتُ الذي یخرجُ مِنْ فمِ الإنسانِ، هذا الصَّوتُ الذي یخرجُ مِنْ فمي، هو صوتٌ. لا یختلفُ أبدًا عن ذلكَ الصَّوتِ الذي یخرجُ مِنْ جهازِ التَّسجیلِ. الآن هذه الأجهزةُ التي تُسجِّلُ صوتي، لاحقًا تستمعونَ إلیهِ، عندما تسمعونَ هذا الصَّوتَ تقولونَ: السَّیِّدُ یقولُ هذا الكلامَ، حسنًا، أنا لا أقولُهُ، بل جهازُ التَّسجیلِ هو الذي یقولُهُ، ولكنَّكم تقولونَ هو الذي یقولُ. هذا صوتٌ. هذا الصَّوتُ لهُ مفهومٌ. إلَى أَيِّ مدًى یدلُّ هذا المفھومُ علَى المطلوبِ؟ الحدیثُ في هذا. إلَى أَيِّ مدًى یدلُّ علَى المطلوبِ؟
قصة الخطيب البليغ المنحرف: هل يكفي حسن البيان لإثبات الصلاح؟
حقًّا یجبُ علَى الإنسانِ أَنْ یلجأَ إلَى اللّهِ. یرَى الإنسانُ شخصًا بلیغًا، خطیبًا، حسنَ الحدیثِ، حسنَ البیانِ، مُلمًّا بِالموضوعِ تمامًا، يحيط بالموضوعِ تمامًا، یُؤدِّي حقَّ الموضوعِ تمامًا. كنتُ یومًا مع المرحومِ العلَّامةِ في مجلسٍ، وكانَ هناكَ عددٌ مِنَ العلماء، بعضُ هؤلاءِ العلماء الحالیِّینَ الذینَ هم في موقعِ المسؤولیَّةِ كانوا موجودینَ، في زمنِ الشَّاهِ، في ذلكَ الزَّمانِ السَّابقِ، لیسَ في هذا الزَّمانِ الجدیدِ. كانَ الحدیثُ عن فردٍ یعرفُهُ الجمیعُ، كانَ خطیبًا. یرتدي بدلةً. یتحدَّثُ ویكتبُ كتبًا، وكانَ منحرفًا جدًّا، منحرفًا جدًّا. كانَ الحدیثُ عنهُ وجرت مقارنةٌ بینَهُ وبینَ الخطیبِ المعروفِ في ذلكَ الوقتِ المرحومِ الشيخ فلسفي، كانوا یقارنونَ. جمیعُ الأفرادِ اتَّفقوا علَى أنَّهُ لو أُعطینا موضوعًا لِلشيخ فلسفي ولِهذا الرجل، لكانَ هذا الرجل أقدرَ علَى بیانهِ. رجلٌ حليقُ اللِّحیةِ، یرتدي ربطةَ عنقٍ ویتحدَّثُ في الحسینیَّةِ. یروّجُ لِلإمامِ الحسینِ علیهِ السَّلامُ بربطةِ عنقٍ ولحیةٍ حلیقةٍ. الجمیعُ كانوا یقولونَ، كانَ هناك اتِّفاقٌ علَى أنَّهُ أقدرُ علَى تناولِ هذا الموضوعِ ، مع أَنَّ المرحومَ الشيخ فلسفي كانَ خطیبًا بلیغًا جدًّا، وحسنَ الحدیثِ جدًّا، وكانَ حقًّا مِنَ النَّادرینَ في القدرة على بیانِ الأُمورِ. ولكن علَى كلِّ حالٍ، المسألةُ هكذا، ولكن قلب ذاك الخطيب كالَّلیلِ المظلمِ، أسودُ، أسودُ، أسودُ، لماذا؟ لأنَّهُ هو نفسُهُ لا یعتقدُ بِالأُمورِ التي یقولُها. هي لعبةٌ، تمثیلٌ، مسرحٌ. لا یعتقدُ. یأتي لیتحدَّثَ عن الإمامِ الحسینِ علیهِ السَّلامُ ساعةً أَو ساعتَینِ، وأحیانًا یطولُ الحدیثُ ثلاثَ ساعاتٍ، ویعرِّفُ بنهجِ الإمامِ الحسینِ علیهِ السَّلامُ ومدرسته. فماذا كانَ نهجُ الإمامِ الحسینِ علیهِ السَّلامُ ومدرسته؟ إقامةُ الصَّلاةِ وإقامةُ العدلِ وإحیاءُ ولایةِ أبیهِ أمیرِ المؤمنینَ علیهِ السَّلامُ. «أُریدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَسِیرَ بِسِیرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»۱. ألم یكنْ هكذا؟ ألم ینهضِ الإمامُ الحسینُ علیهِ السَّلامُ یومَ عاشوراءَ وقتَ صلاةِ الظُّهرِ وصلَّى في أثناءِ الحربِ، ألم یكنْ كذلكَ؟ حینئذٍ هذا السَّیِّدُ نفسُهُ لا یصلِّي. نُقلَ شاهدُ عیانٍ لِوالدِنا، وهو المرحومُ المطهّريُّ نفسُهُ، وكنتُ حاضرًا، أنَّهُ قالَ: أنا علَى یقینٍ أَنَّ هذا الرجل لا یصلِّي. أنا بنفسِي سمعتُ. وماذا عن كلامهِ؟ لا یعتقدُ بهِ. یأخذُ مالًا ویتحدَّثُ. یتحدَّثُ في هذا المجلسِ ویتحدَّثُ في ذاكَ المجلسِ. كم ستدفعونَ أكثرَ؟ هنا كم ستدفعونَ أكثرَ؟ نذهبُ. ما شاءَ اللّهُ كم یتحدَّثُ بشكلٍ جمیلٍ، ما شاءَ اللّهُ كم یتحدَّثُ بشكلٍ جیِّدٍ، ما شاءَ اللّهُ كم یتحدَّثُ بشكلٍ رائعٍ!
- لمعات الحسين ص ۱۱.

