
معرفةُ الطريقِ مقدّمة للسَّيرِ نحو اللهِ
الفرق بين المعرفة الحقّة والادّعاء
لماذا تُعدّ المعرفة الحقيقية بالله وبطريقه شرطًا أساسيًا ولازمًا للسير نحوه؟ وكيف يضلّ الطريق من يكتفي بالظواهر والمجاملات دون معرفة راسخة؟ ما هي علامات أهل المعرفة الحقّة وكيف هو ثباتهم؟ وكيف يُمتحن مدّعو الطريق عند الشدائد؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات، موضحةً أهميّة البصيرة والإدراك في السلوك إلى الله، ومحذّرةً من الاغترار بالمظاهر أو اتّباع من لا معرفة له مستشهدةً بقصص ومواقف من حياة العلماء والعارفين.
معرفةُ الطريقِ مقدّمة للسَّيرِ نحو اللهِ
9قصة السيد جمال الكلبايكاني: من لا عرفان له فلا دنيا ولا آخرة له
عندما كانَ المرحومُ السَّيدُ جمال الكُلبايكانيُّ في أسوأِ الظُّروفِ وكان المرحومُ العلَّامةُ يذهبُ لِزيارتهِ، في أَيِّ وضعٍ كان يجده؟ ـ لا بُدَّ أَنَّ الرُّفقاءَ قد قرأوا في كتبِ المرحومِ العلَّامةِ شيئًا ممَّا كانَ يقصُّهُ علينا ـ عندما كان يذهب لزيارته، كان السيّد جمال يقول له: يا سَّيدُ محمَّدُ حسينٍ، مَنْ لا عرفانَ لهُ، فلا دُنيا ولا آخرةَ لهُ. ألم يكنْ السَّيدُ جمال الكُلبايكانيُّ مِنَ العلماءِ؟! ألم يكنْ مِنَ الفقهاءِ؟! ألم يكنْ مرجعَ تقليدٍ؟! قولُ مَنْ هذا؟ قولُ عالمٍ، مرجعِ تقليدٍ، فقيهِ، آلتْ إليهِ المرجعيةُ بعدَ المرحومِ النَّائينيِّ. فهذا قولُهُ وليسَ قولَ العوامِ. مَنْ لا عرفانَ لهُ، فلا دُنيا ولا آخرةَ لهُ. ترونَني بهذا الوضعِ، أنا سعيدٌ! سعيدٌ! وفي أَيِّ مصاعبَ كانَ! مصاعبُ كانَ المرحومُ العلَّامةُ يقولُ إنَّها لا يمكنُ وصفُها أبدًا.
ما هي المعرفة التي قصدها الإمام السجاد عليه السلام؟ وكيف تمنع صاحبها من اللهو؟
حسنًا، هذهِ المعرفةُ هي مقصودُ كلامِ الإمامِ السَّجَّادِ عليهِ السَّلامُ. يعني يا إلهي، لقد أعطيتَني معرفةً لم أعدْ أستطيعُ أَنْ أتركَها، لم أعدْ أستطيعُ أَنْ أتخلَّى عن الأمرِ، لقد استحوذتْ هذهِ المعرفةُ عليّ. هذا الإدراكُ قد استحوذَ عليّ، لم أعدْ أستطيعُ أَنْ أقضِيَ أيامي هكذا، أأفتحُ مفتاحَ الرَّاديو وأضغطُ علَى زرِّ التِّلفازِ؟ هل أجلسُ ستَّ ساعاتٍ أمامَه وأقولُ كلامًا فارغًا وأذهبُ ليلاً أتحدَّثُ مع هذا وأتسامرُ مع ذاكَ وهنا وهناكَ...! فهذهِ الأقوالُ قد ولَّتْ عنَّي. هذهِ الأُمورُ قد ولَّتْ عنَّي، الآن لو أردتُ أَنْ أتحرَّكَ، لأمسكتْ هذهِ المعرفةُ بتلابيبي، لو حرَّكتُ رأسي، فهذهِ المعرفةُ وهذا الإدراكُ تلاحقني، هذهِ الأعمال هي لأُولئكَ الذينَ لا معرفةَ لديهم، لا إدراكَ لديهم، يظنُّونَ أَنَّ هذهِ الدُّنيا هي نفسُها إسطبلُ البقرِ والحميرِ، هكذا هي. يذهبونَ ليلًا إلَى هناكَ ليعطوهم العلفَ، ويأتونَ بهم صباحًا لِيشغلوهم. يذهبونَ بهم ليلًا مرَّةً أُخرَى ليعطوهم العلفَ، ثُمَّ يخرجونَهم صباحًا مرَّةً أُخرَى لِيربطوا بهم المحراثَ وهذهِ الأُمورَ. يحرثونَ، هؤلاءِ هكذا . نجلسُ ونضحكُ ونتفرَّجُ ونقضِي الوقتَ وغدًا وبعدَ غدٍ على الحال نفسه! ذلكَ الذي يجدُ المعرفةَ ويدركُ وضعَهُ ويدركُ مآلَهُ، ويدركُ ماذا ينتظرُهُ غدًا وماذا ينتظرُهُ بعدَ غدٍ ويعرف إلَى أينَ يريدُ أَنْ يذهبَ، وأَيّ مسائلَ سيواجهها، وأَيّ استعدادٍ وضعَهُ اللّهُ فيهِ، وأَيّ رأسمالٍ يفقدُهُ يومًا بعدَ يومٍ بدونِ أَنْ يعوِّضَهُ؟ حينئذٍ هل يمكنُ أَنْ يقضِيَ وقتَهُ بهذهِ الأُمورِ؟ حينئذٍ هل يمكنُ أَنْ يتعايشَ مع هذهِ الأُمورِ؟! هذا لم يعدْ ممكنًا.
