
معرفةُ الطريقِ مقدّمة للسَّيرِ نحو اللهِ
الفرق بين المعرفة الحقّة والادّعاء
لماذا تُعدّ المعرفة الحقيقية بالله وبطريقه شرطًا أساسيًا ولازمًا للسير نحوه؟ وكيف يضلّ الطريق من يكتفي بالظواهر والمجاملات دون معرفة راسخة؟ ما هي علامات أهل المعرفة الحقّة وكيف هو ثباتهم؟ وكيف يُمتحن مدّعو الطريق عند الشدائد؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات، موضحةً أهميّة البصيرة والإدراك في السلوك إلى الله، ومحذّرةً من الاغترار بالمظاهر أو اتّباع من لا معرفة له مستشهدةً بقصص ومواقف من حياة العلماء والعارفين.
معرفةُ الطريقِ مقدّمة للسَّيرِ نحو اللهِ
11قصّة الرفيق الذي تجنّب اللقاء: كيف تكشف المواقف معادن الناس؟
منذُ فترةٍ قصيرةٍ، وقبلَ أُسبوعٍ أَو أُسبوعَينِ، عندما تشرَّفتُ بِالزِّيارةِ، كنتُ أمرُّ مِنْ زقاقٍ، فرأيتُ أحدَ هؤلاءِ الذينَ كانوا في إحدَى المحافظاتِ في ذلكَ الوقتِ،كنت أزور مدينة مشهد علَى الأقلِّ مرَّةً في الأُسبوعِ أَو الأُسبوعَينِ، هذا الذي لم يكنْ ليهدأَ حتَّى يتَّصلَ بي هاتفيا، وعندما رآني دخلَ إلَى منزلهِ حتَّى لا تقعَ عينُهُ عليَّ. فضحكتُ هكذا، وقلتُ: حقًّا انظرْ إلَى الدُّنيا، انظرْ إلَى الدُّنيا، لو سألوا هذا الرجل، ما هو العمل المخالفُ للصواب الذي ارتكبه في فلان في هذهِ الفترةِ؟ تعالَ وأخبرنا ما هو؟ فماذا سيقولُ؟ أَيَّ عملٍ مخالفٍ للصواب ارتكبتُه؟ أَيَّ قولٍ مخالف للصواب قلتُهُ؟ أَيَّ باطلٍ قمتُ بهِ؟ حقًّا، حقًّا، حقًّا، ليأتوا ويسألوهُ، هذا هو نفسُهُ الذي أقلَّني ذاتَ يومٍ في مشهدَ وأخذَني إلَى منزلهِ وكانتِ الدُّموعُ تنهمرُ مِنْ عَينيهِ وتسقطُ مِنْ لحيتهِ علَى الأرضِ وكانَ يقولُ لي: يا سيد محسنٌ، أسألُكَ بحقِّ أبيكَ عليكَ، لا تتخلَّ عن فلانٍ، فإنْ تخلَّيتَ عنهُ سيأتي آخرونَ ويمْلأوا مكانَهُ. ثُمَّ هو نفسُهُ، يغلقُ البابَ الآن حتَّى لا ينظرَ إليّ. غريبٌ جدًّا. غريبٌ جدًّا!
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ... يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ كيف تكون تقلبات الناس آية إلهيّة؟
وهذهِ عبرةٌ لنا، والله يأتي لنا بهذهِ الأُمور لكي نعتبر، تقول الآيةِ القرآنِيّة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾۱، نحنُ نعرضُ آياتِنا أمامَهم ليقعَ بصرُهم عليها ويفهموا ما حقيقة الأمر؟ ولكنّ هؤلاءِ النَّاسُ يمرُّونَ هكذا ولا يكترثونَ. فهذهِ آيةُ للّه، واللهُ يريدُ أَنْ يقولَ لكَ إنَّ الذي يبقَى لكَ هو أنا. والآخرون كلُّهم يذهبونَ يا سيدي، ألم يكنْ هذا يفديكَ بنفسه؟! ألم يكنْ هذا يتودَّدُ إليكَ؟! ألم يكنْ هذا كذا وكذا، فلو كانَ هناكَ أحدٌ في زمانِ السيدِ، فهو أنتَ فقط، لو كانَ هناكَ أحدٌ يا عزيزي فهو أنت، حسنًا الآن نحنُ موجودونَ وفي خدمتك ولكن هذهِ هي القضيةُ، لم نكنْ نفهمُ في ذلكَ الوقتِ، لم نكنْ نُدركُ المسألةَ في ذلكَ الوقتِ، في ذلكَ الوقتِ، لم نكنْ نفهمُ أَنَّ المرحومَ العلَّامةَ عندما كانَ يقولُ لنا هذا الكلامَ، كانَ يريدُ أَنْ ينبِّهنا: يا عزيزي، فكِّرْ في نفسِكَ، لا تنظرْ كثيرًا إلَى هذا وذاكَ، لا تضعْ وقتًا كثيرًا لِهذا وذاكَ، لكلِّ شخصٍ حسابٌ، لكلِّ شخصٍ كتابٌ، لكلِّ شخصٍ طريقةٌ، يجبُ أَنْ تكونَ مع الأفرادِ بمقتضَى تكليفِكَ، هذا لم نكنْ نفهمُهُ. وعندما جاءَ هذا الامتحانُ، عرفنا حينها الحقيقة وقلنا : عجيبٌ! كيفَ كانتِ المسألةُ! أُقسمُ بِاللّهِ لفترةٍ كنتُ في حَيرةٍ. مثلَ المذهولينَ الذينَ يفقدونَ القدرةَ علَى التَّفكيرِ ولا يستطيعونَ تقييمَ ما حدثَ؟ وبعدَ فترةٍ، استعدْت وعيي شيئًا فشيئًا، وعرفت حقيقة الأمر.
- سورة يوسف (۱٢) الآية ۱۰٥.
