
المعرفة بالطريق شرط الحركة إلى الله
خطوة بيقين خير من ألف خطوة بشك
ما هو الشرط الأساسي للسير إلى الله؟ وكيف نميّز بين الدليل الحقّ والوهم؟ تتناول المحاضرة أهمية اليقين والمعرفة في السلوك، وخطورة اتباع الأهواء والشبهات، مؤكدةً على ضرورة الاستناد إلى الحجيّة الذاتيّة للأولياء، ومستشهدة بأمثلة تاريخيّة كصلح الحديبيّة ومعركة صفّين ومقتل عثمان.
المعرفة بالطريق شرط الحركة إلى الله
9مقارنة مع موقف الإمام الحسين عليه السلام: الوضوح مقابل الامتحان
تمامًا كما في قضيّة الإمام الحسين عليه السلام؛ فالإمام الحسين عليه السلام منذ أن انطلق من المدينة قرأ آية اليأس للجميع، وصبّ الماء النقي على أيدي الجميع وقطع أملهم؛ وكلّ من جاء إليه قال له: يا عزيزي، نحن نذهب لنُقتل، وهؤلاء النساء والأطفال سيُسبون. هكذا ببساطة. وقد جاء الإمام عليه السلام إلى مكة، إلّا أنّ بعضهم لم يصدّقوا بعد، مع أنّ الإمام الحسين عليه السلام يقول ذلك بصراحة، لكنّهم لا يصدّقون. قال سلام الله عليه: «فَمَنْ كَانَ... موطّنًا على لِقَاءَ اللهِ نفسه فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا، فَإنِّي رَاحِلٌ مُصْبِحًا إنْ شَاءَ اللهُ»۱. من يرد لقاء الله فليرحل معنا، لكنّ الناس يقولون: حسنًا، إنّ الذي يريد أنْ يذهب للقاء الله، لا يعني ذلك بالضرورة أن يذهب ويُقتل ويُستشهد؛ إنّما المقصود أنْ يكون معنا، المقصود أن يشاركنا في المسير. ولذلك رافق الإمام الحسين عليه السلام في حركته كثيرٌ من الخلق، ولو كانوا يعلمون بقضيّة ليلة عاشوراء، فهل كانوا مجانين ليسيروا من مكة أصلًا؟! كلّا، لم يكونوا يعلمون، لم يكونوا يعلمون. لقد مضوا معه ووصلوا إلى هناك أيضًا، ومرّت القضيّة، وعند كلّ منزلٍ وموقع كانوا يرون الإمام عليه السلام يتحدّث باستمرار عن الموت فيقول: «خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ»٢. ويتحدّث عن الموت، يتحدّث مع عليّ الأكبر عليه السلام بتلك الطريقة، يتحدّث مع مسلم بن عوسجة بهذه الطريقة، في الطريق يرى الفرزدق، يسأل عن أحوال الكوفة، فيقول: لقد قبضوا يا سيّدي على مسلم وقتلوه. لم أخرج من الكوفة إلا ورأيت رأس مسلم قد قُطع وجسدُه يُطاف به في أزقّة الكوفة وشوارعها. وكان الإمام عليه السلام يردّد دائمًا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾٣. ورغم كلّ هذه العلامات، لم يكن هؤلاء الأفراد قد وَثِقوا بعد، لم يطمئنّوا، حتّى جاؤوا وبلغوا ليلة عاشوراء. في تلك الليلة قال الإمام عليه السلام: أيها القوم، هل تعتبرونني صادقًا أم لا؟ فيقولون: نعم، فيقول: اعلموا أنّ كلّ من يبقى هنا غدًا سيُقتل والسلام. «إنَّ اللَّيْلَ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلًا»٤. الآن الليل قد حلّ ولا يرى أحد الآخر، والجيش أيضًا لا يراكم، فانطلقوا من هذا الجانب واذهبوا، امضوا وطأطئوا رؤوسكم واذهبوا. عندها فقط أدركوا الحقيقة، فقد رأوا من جهة جيشًا من ثلاثين ألفًا، ومن جهة أخرى كلام الإمام الحسين عليه السلام، فانكشف لهم التكليف بوضوح، وهنا أدركوا الأمر وانسحبوا.
- «لمعات الحسين» للعلّامة الطهراني، ص: ٢٣: من خطبة الإمام الحسين عليه السلام في مكّة المكرّمة حين عزم على الخروج إلى كربلاء: «...مَنْ كَانَ فِينَا بَاذِلًا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ، فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا؛ فَإنَّنِي رَاحِلٌ مُصْبِحاً إ نْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.»
- المصدر السابق، ص: ٢٢.
- سورة البقرة، الآية ۱٥٦.
- لمعات الحسين، ص: ٣٤.
