
أهمية العمل بتعاليم الأولياء بعد المعرفة بها
ما هي العلاقة بين المعرفة والالتزام؟ أيّ خطرٍ يُشكّله العرفانِ السطحيّ؟ ما هو المنبع الذي يستقي منه الأولياء كلامهم؟ ما هو الفارق بين الاعتبار والحقيقة؟ كيفَ نتجنَّبُ تحويلَ الدِّينِ إلى تِجارةٍ؟ لو كنتَ عندَ الإمامِ الآنَ، فبماذا كانَ سيوصيكَ؟ لماذا نرفُضُ الهدايةَ العامّةَ ونبحثُ عنِ الخصوصيّة؟ ما هي ركائزُ السلوكِ الأربعةُ؟ كيف ينبغي علينا قراءة القرآن؟ ما هو مفهومُ الهداية الحقيقيّة؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه للإجابة عنها في هذا المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من حديث عنوان البصريّ.
أهمية العمل بتعاليم الأولياء بعد المعرفة بها
7قصةُ السيّد الحدّادِ والضيفِ قليلِ الأدبِ
في نَفسِ الوَقتِ الذي تَشَرَّفَ فِيهِ المَرحُومُ السَّيِّدُ الحَدَّادُ بِالمَجِيءِ إلى إيرَانَ، دَعَاهُ أحَدُ الرُّفَقَاءِ إلى مَنزِلِهِ ذَاتَ لَيلَةٍ. بِالطَّبعِ لَمْ يَكُنْ مُخطِئًا لِأنَّهُ. حَسَنًا، لقد كان للسيّد الحدّاد رُفَقَاءُ خَاصُّونَ، فكَانَ المَرحُومُ العَلاّمَة مَوجُودًا هناك بالإضافة إلى بعض الرفَقَاءِ الخَاصّينَ، فذَهَبَ ذلك الرفيق، وَدَعَا أحد المشايخ، ولَا أعلَمُ إنْ كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ الآنَ أمْ لَا؟ ويَبدُو أنَّهُ تُوُفِّيَ، فدَعَاهُ هُوَ أيضًا. يَعنِي: لَمْ تَكُنْ له أيّة عَلَاقَةٍ بِهِ، بل لِمُجَرَّدِ أنَّهُ كَانَ أحيَانًا يُسَلِّمُ عَلَى العَلاّمَةِ، فجَاءَ وَدَعَاهُ هُوَ أيضًا إلى ذَلِكَ المَجلِسِ. عِندَمَا جَاءَ هَذَا الأخير، تبيّن أنّه: يَا لَهُ مِنْ رجلٍ قَلِيلِ الأدَبِ! فقد التَفَتَ إلى العَلاّمَةِ وَالسيِّدِ الحَدَّادِ، وَخَاصَّةً إلى السَّيِّدِ الحَدَّادِ، وَقَالَ: «لَقَدْ بُذِلَ جُهدٌ في هذه اللَّيلَةَ، وطُبِخَ طَعَامٌ، وأُنفِقَ مَالٌ، وصُرِفَتْ نَفَقَاتٌ، فَلنَجعَلِ المَجلِسَ يمرّ بِطَرِيقَةٍ لا تَذهَبُ فيها هذهِ النَّفَقاتُ هباءً منثورًا!» يَا لَهُ من رجلِ عديم الفهم! «لِنَطرَحْ سُؤَالاً، لِنَطرَحْ بَحثًا عِلمِيًّا هُنَا لِكَي نَستَفِيدَ مِنْ هَذَا المَجلِسِ عِلمِيًّا ـ وَبِاختِصَارٍ ـ لِكَي لا تتبدّد كلّ هذه الجهود التي بُذلت هنا». رَحِمَ اللهُ المَرحُوم الحَاجّ إسمَاعِيل الدولَابِيّ، فقد كَانَ متواجدًا هُنَاكَ في ذَلِكَ الوَقتِ، فقَالَ: «إنْ كَانَ لَدَيكُمْ سُؤَالٌ، فَاسألُونِي أنَا، لِمَاذَا تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا السَّيِّدَ الحَدَّادَ؟» قَالَ: «أُرِيدُ أنْ أسألَهُ هُوَ». قَالَ: «أنتَ تُرِيدُ جَوَابًا عن سُؤَالِكَ، فمَا شَأنُكَ بِمَنْ يُجِيبُ؟» لا شَيءَ! فانصرف ذاك عن سؤاله تمامًا. لقد كَانَ يَتَصَوَّرُ في ذهنه أنّه إذا انقضى المَجلِس بِالسُّكُوتِ، فإنّه سيكون مضيعةً للوقت، هَذَا خلاصة الأمر...! فلَمْ يَكُنْ يَفهَمُ أنَّ مَا يُعطِيهِ أولِيَاءُ اللهِ في سُكُوتِهِمْ رُبَّمَا يَكُونُ أكثَرَ بِكَثِيرٍ مِنَ الحَدِيثِ، وَالمَجِيءِ، وَالجُلُوسِ، والتَّحَدُّثِ بِاستِمرَارٍ، وَالقول: «يا سيّدي، إنّنا نُعاني من مُشكِلَةً هنا وَهُنَاكَ وَ...!»، وأمثال هَذِهِ الأمُورِ. غَضِبَ المَرحُومُ العَلاّمَة كَثِيرًا، غَضِبَ كَثِيرًا، ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِ البَيتِ: «بِأيِّ حَقٍّ لجأت إلى دَعوة هَذَا الشخص؟! ولِمَاذَا قُمتَ بِدعوته؟!»
كيفَ نتجنَّبُ تحويلَ الدِّينِ إلى تِجارةٍ؟
نَحنُ نَتَصَوَّرُ أنَّه إذا جِئنَا إلى هُنَا لَيلاً وَلَمْ نَتَحَدَّثْ، سَتَمضِي لَيَالِي شَهرِ رَمَضَانَ عبثًا! لا يَا عَزِيزِي! مَا يَستَفِيدُهُ الرُّفَقَاءُ مِنْ قِرَاءَةِ القُرآنِ وَدُعَاءِ الِافتِتَاحِ أكثَرُ مِمَّا يَستَفِيدُونَهُ مِنْ كَلَامِي، وأقُولُهَا لَكُمْ بِصَرَاحَةٍ، سَوَاءٌ قَبِلتُمْ أمْ لَمْ تَقبَلُوا. وحينئذ، إذا كَانَ يدور في خُلدي أنَّه عليّ أن آتِي وَأجلِسُ مَعَ الرُّفَقَاءِ، ليُقال عِندَمَا يَنتَهِي شَهرُ رَمَضَانَ: «أجل، لقد تَحَدَّثَ إلينا هَذَا السيّدُ أيضًا»، فأَفرَحُ في قلبي بِأنَّني طرحت هَذِهِ الأحَادِيثِ في شَهرِ رَمَضَانَ... فلَوْ جَاءَتْ هَذِهِ النية، فإنّ عَمَلِي هَذَا سيُصبِحُ تمثيلاً، ويصير عرضًا مسرحيًّا وَالسَّلَامُ. لا مُزَاحَ في ذَلِكَ؛ لأنّ الإمَام السجَّاد عليه السلام لا يَمزَحُ مَعَ أحَدٍ.
