
أهمية العمل بتعاليم الأولياء بعد المعرفة بها
ما هي العلاقة بين المعرفة والالتزام؟ أيّ خطرٍ يُشكّله العرفانِ السطحيّ؟ ما هو المنبع الذي يستقي منه الأولياء كلامهم؟ ما هو الفارق بين الاعتبار والحقيقة؟ كيفَ نتجنَّبُ تحويلَ الدِّينِ إلى تِجارةٍ؟ لو كنتَ عندَ الإمامِ الآنَ، فبماذا كانَ سيوصيكَ؟ لماذا نرفُضُ الهدايةَ العامّةَ ونبحثُ عنِ الخصوصيّة؟ ما هي ركائزُ السلوكِ الأربعةُ؟ كيف ينبغي علينا قراءة القرآن؟ ما هو مفهومُ الهداية الحقيقيّة؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه للإجابة عنها في هذا المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من حديث عنوان البصريّ.
أهمية العمل بتعاليم الأولياء بعد المعرفة بها
16مفهومُ "الهداية الحقيقيّة": هلْ ننتظِرُ معجزةً أمْ نستجيبُ للهدايةِ؟
فالهداية لَيسَت أنْ تَرتَفِعَ يَدٌ مِنَ الغَيبِ مِثلَ الجِنِّ، وَتَأتِي، وتعبر مِنْ هَذَا الجِدَارِ، وَتُمسك بالإنسان، وتُغَيِّره. لا يَا عَزِيزِي! إنْ كُنتُمْ تَتَخَيَّلُونَ أنَّ الهداية السُّلُوكِيّة هي هَذَا، فَخُذُوا هَذِهِ الأُمنِيَةَ مَعَكُمْ إلى القَبرِ؛ فلا شيء من هذا الكلام هنا، وإن عثرتم عليه في مكان آخر، فَاذهَبُوا إليه؛ فقَدْ يوجد في أمَاكِنٍ أُخرَى أو مُدُنٍ أُخرَى أو مَجَالِسَ أُخرَى بعضُ الأفرَاد الذين يَقُولُونَ: «كلاّ! نَحنُ نَفعَلُ هَكَذَا، فنَأتِي وَنَتَدَخَّلُ وَنَتَصَرَّفُ، وَنَقُومُ بِأمرٍ غَيرِ عَادِي، وَنَفعَلُ الخَوَارِقَ»؛ غير أنّه لا عِلمَ لِي أنا بِذَلِكَ، لا عِلمَ لِي به أبَدًا، وَلَمْ أرَ وَلَمْ أسمَعْ شَيئًا كَهَذَا مِنَ الأعَاظِمِ أيضًا. فالهداية تعني: عِندَمَا تصلك المسألة، لا تُجَادِل فِيهِا وَلَا تتسَاءَل عَنها. هَذَا هو مَعنَى الهداية. فمَنْ أوصَلَ هذه المسألة؟ مَنْ أوصَلَها؟ ألَيسَ الإمَامُ عليه السلام هُوَ الذي أوصلها؟ فهذا هُوَ الحَدُّ الأدنى لمَا نَعرِفُهُ عَنِ الإمَامِ عليه السلام، هذا هو الحَدُّ الأدنى. وحينئذ، إذا تَظَاهَرَ أحَدُهُمْ بِالنَّومِ، سيَقُولُ الإمَامُ: «هذا لَيسَ ذَنبِي»، وسيَقُولُ عليه السلام آنذاك: «مَاذَا أفعَلُ أنَا؟ لقد كنتَ تُرِيدُ أنْ يَصِلَ إلَيكَ الأمرُ، فَقَدْ أوصَلنَاهُ إلَيكَ، وكنت تُرِيدُ أنْ تَتَّضِحَ لَكَ القَضِيَّةُ، فَقَدْ أوضَحنَاهَا لَكَ، وكنت تُرِيدُ أنْ تَحصُلَ عَلَى المَحَكِّ وَالمِعيَارِ، فقد قمنا بذلك، ووَضَعنَاه أمَامَكَ، وَأوضَحنَا لَكَ الأمرَ وَبَيَّناهُ».
حَسَنًا، هَذِهِ كَانَتْ مَسألَةٌ كَانَ الرُّفَقَاءُ مُطَّلِعِينَ عَلَيهَا، إمّا قَلِيلاً أو كَثِيرًا، غير أنّ الاطِّلَاعُ عليها [مرّة أخرى] مِنْ بَابِ التَّذكِير ـ ﴿فَذَكِّرْ﴾۱ـ يَكُونُ أحيَانًا مُفِيدًا لِلإنسَانِ أيضًا.
نَأمَلُ أنْ يُعَامِلَنَا اللهُ ـ إنْ شَاءَ تعالى ـ بِلُطفِهِ وَرَحمَتِهِ، وَأنْ يُصلِحَ وَيَجبُرَ تَقْصِيرَاتِنَا بِرَأفَتِهِ وَعَطفِهِ، وَأنْ يُعَرِّفَنَا كَلِمَاتِ أولِيَاءِ اللهِ وَطَرِيقَهُمْ وَمَنهَجَهُمْ، وَيُوَفِّقَنَا لِلعَمَلِ بِهَا.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
- سورة الأعلى (۸۷) الآية ٩.
