
أهمية العمل بتعاليم الأولياء بعد المعرفة بها
ما هي العلاقة بين المعرفة والالتزام؟ أيّ خطرٍ يُشكّله العرفانِ السطحيّ؟ ما هو المنبع الذي يستقي منه الأولياء كلامهم؟ ما هو الفارق بين الاعتبار والحقيقة؟ كيفَ نتجنَّبُ تحويلَ الدِّينِ إلى تِجارةٍ؟ لو كنتَ عندَ الإمامِ الآنَ، فبماذا كانَ سيوصيكَ؟ لماذا نرفُضُ الهدايةَ العامّةَ ونبحثُ عنِ الخصوصيّة؟ ما هي ركائزُ السلوكِ الأربعةُ؟ كيف ينبغي علينا قراءة القرآن؟ ما هو مفهومُ الهداية الحقيقيّة؟ هي تساؤلات سعى سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه للإجابة عنها في هذا المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ» من حديث عنوان البصريّ.
أهمية العمل بتعاليم الأولياء بعد المعرفة بها
2أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا أبِي القَاسِمِ مُحَمَّدٍ
وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَاللَّعنَةُ عَلَى أعدَائِهِم أجمَعِينَ
المعرفة والالتزام: علاقة متبادلة ومسؤوليّة متزايدة
«مَعرِفَتي يا مَولايَ دَليلي عَلَيكَ وَحُبّي لَكَ شَفيعي إلَيكَ». معرفتي يا مولاي هي دليلي عليك.
ذكرتُ للرفقاءِ البارحةَ أنَّ المَعرِفةَ تَقتَضِي الالتِزَامَ؛ فالالتِزَامُ يَكُونُ حَيثُ تَكُونُ المَعرِفَةُ، وَحَيثُ تَكُونُ المَعرِفَةُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هُنَاكَ التِزَامٌ. وَبِمِقدَارِ مَا تَكُونُ مَعرِفَةُ الإنسانِ أكبَرَ واطّلاعه على المسائل أوسَعَ وَأشمَلَ وَأدَقَّ وَألطَفَ، يَكُونُ التِزَامُه وَمَسؤُولِيَّتُهُ أدَقَّ بِنَفسِ المِقدَارِ.
إنَّ الحِسَابَ الذي يُجرَى مَعَ وَزِيرٍ أو مُعَاوِنٍ للسُّلطَانِ في علاقَتِهِ بِهذا المَلِكِ والسُّلطَانِ والأعمَالِ التي يَقُومُ بِهَا في نِطَاقِ صَلَاحِيَّاتِهِ، لا يُجرَى مِثلُهُ أبَدًا مَعَ بَوَّابِ القَصرِ، ولا مَعَ خَادِمِ القَصرِ؛ إذ لا أحَدَ يَعنِيهِ أمرُهُ، ولا أحَدَ يَعتَرِضُ عَلَيهِ، وَإنْ صَدَرَ مِنهُ خَطَأٌ، لا يُلَامُ عَلَيهِ. وهذا الأمرُ يَعودُ إلى المَعرِفَةِ؛ فَبِقَدرِ مَا تَكُونُ مَعرِفَةُ الإنسان أكبَرَ، يَكُونُ هذا الإنسانُ أقرَبَ إلى السُّلطَانِ.
فالسُّلطَانُ لَيسَ أحمَقًا، ليَأتِيَ بِكَنَّاسٍ أو خَادِمٍ لا يُمَيِّزُ شَيئًا فَيَجعَلَهُ نَدِيمًا لَهُ، ويُخبِرُهُ بِأسرَارِهِ، وبِأسرَارِ المَملَكَةِ، وبِأسرَارِ الحَربِ والسِّلمِ. لا يَفعَلُ مِثلَ هَذَا الأمرِ، وَإنْ فَعَلَ ذلك، فَهُوَ سَفِيهٌ وَأبلَهٌ، ولا يصلح للحكم. إنّما يَثِقُ السُّلطَانُ بالإنسان وَيَعتَمِدُ عَلَيهِ وَيُخبِرُهُ بِسِرِّهِ إذَا كَانَت لَهُ جَامِعِيَّةٌ وَشُمُولِيَّةٌ؛ فيَحفَظُ لِسَانَهُ وَلَا يُفشِي الأمرَ، ولَا يُخبِرُ بِهِ أحَدًا؛ لِأنَّهُ سِرٌّ، والسِّرُّ لا يَنبَغِي أنْ يُفشَى، ولَا يَنبَغِي أنْ يُقَالَ. وَلهذا، ينبغي أنْ يَكُونَ هكذا إنسان جَامِعًا للشُّرُوطِ وَيَستَطِيعَ التَّحَمُّلَ، لا أنْ يَكُونَ بِحَيث إذَا قِيلَ لَهُ كَلَامٌ انقَلَبَ رَأسًا عَلَى عَقِبٍ، وَتَشَتَّتَتْ أفكَارُهُ، وَاختَلَّتْ مَوَازِينُهُ. لَا! بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ذَا سعَةِ صَدرٍ، وَقُدرَةٍ نَفسِيَّةٍ عَلَى استيعاب المَسَائِلِ وَالمَوَاضِيعِ، وَأنْ يَكُونَ إدرَاكُهُ عَالِيًا بحيث يتمكّن من التَّحلِيلَ بواسطة هذا الإدراك. لا أنْ يَنفَعِلَ وَيَتَأثَّرَ هُوَ نَفسُهُ، وَيَقَعَ تَحتَ تَأثِيرِ هَذِهِ المَوَاضِيعِ، فَتَخرُج الأمُورُ عَنْ سَيطَرَتِهِ، كلاّ!! فلن يَجعَل السُّلطَانُ مِثلَ هَذَا الفَردِ نَدِيمًا لَهُ. وَإذَا أصبَحَ مِثلُ هَذَا الفَردِ نَدِيمًا، فَيَجِبُ عَلَيهِ أنْ يَحفَظَ لِسَانَهُ. فَإنْ لَمْ يَحفَظْهُ، فإنّ الأمر سَيَختَلِفُ آنذاك!
