
وجوب معرفة التكاليف والعمل بها
أين تساهلت الشريعة وأين تشدّدت؟
متى يكون الجهل بالتَّكليف عذرًا؟ وما هي الأمور التي فيها سعة والأمور التي فيها دِقَّة؟ ما هو دور الذكر والصلاة في السير والسلوك وما دور المراقبة؟ وما مقدار تأثير كلّ منهما؟ ما هو أثر عدم المراقبة في العلاقات الاجتماعيّة كسوء الظنّ على السلوك إلى الله؟ ما مقدار الاعتماد على الاستخارة وما هي الطريقة الأفضل لها؟ وهل يجب أن يختار الله لنا ما فيه مصلحتنا الماديّة؟ تتناول هذه المحاضرة هذه الموضوعات بالبحث والتحليل مستشهدةً بأمثلةٍ وقصصٍ من حياة الأولياء وتجاربهم.
وجوب معرفة التكاليف والعمل بها
5فهل الاستخارة للمنفعة فقط؟! فاتت عليك صلاةٌ واحدةٌ، بطَل سفرك هذا. الآن اذهب واكسب مئة ضعفٍ، كدِّس الأموال فوق بعضها. هل كان المال خيرًا لك أم ما استقرَّ في نفسك وهو الآن معك هو الخير لك؟! هذا المال منفصلٌ عنك، بينكما مسافة مترين. الآن حتَّى لو وصل إلى السَّقف، حسنًا، في النِّهاية بينكما مسافةٌ. تقولون: لا ليس منفصلًا عنَّا! يأتي اثنان ويُخرجان السِّكِّين، يُخرجان السِّلاح ويقولان: يا هذا، نريد أن نأخذ كلَّ هذا! حسنًا الآن إذا استطعتم فاحتفظوا به. لا شيء، يأخذون كلَّ شيءٍ ويذهبون. ألا يأخذونه؟! إذن، ما هذه السَّرقات الَّتي تحدث؟ يأتون ويهدِّدون، يا هذا، أعطِ كلَّ ما في جيبك، أعطِ كلَّ ما في متجرك، أعطِ كلَّ ما تريد أن تفعله! إذن، من الواضح أنَّ هذه الأشياء ليست خيرًا للإنسان!
المعنى الحقيقيُّ للخير والشرِّ: ما يبقى معك لا ما يفارقك
ما هو الخير؟ هو ذلك الشَّيء الَّذي يكون مع الإنسان، والشَّرُّ هو ذلك الشَّيء الَّذي يكون مع الإنسان وله معيَّةٌ معنا، وفي هذا المكان الَّذي نجلس فيه له معيَّةٌ، وإذا خرجنا أيضًا له معيَّةٌ، وله اتِّحادٌ معنا، كما قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله:
تَخَیَّر خَلیطًا مِنْ فِعالِك إنَّما *** قَرینُ الفَتی فی القبرِ ما کانَ یَفعَل۱ فالنبيّ صلّى الله عليه وآله يريد أن يقول إنّ الخير والشَّرُّ عبارةٌ عن تلك الملكات والصِّفات والأعمال الَّتي فعلتها وهي معك ولا تتركك. هذا يُسمَّى خيرًا وشرًّا! فإذا كان العمل خيرًا، فمكانك في الخير، وإذا كان العمل سيِّئًا، فمكانك في الشَّرِّ، أمّا أن تكسب مالًا، فليس خيرًا، لأنَّه غدًا يأتي اللِّصُّ ويسرقه، غدًا يأتي ويسرقه!
قصّة سرقة المال من الحقيبة: هل المال خيرٌ دائمٌ؟
كنَّا مرَّةً قد ذهبنا إلى مكانٍ ما مع رفيقٍ أو رفيقين من الأصدقاء، وفي طريق العودة كان مع أحدهم مبلغٌ من المال من هذه العملات الأجنبيَّة ونحوها، فقال: إذا أراد أن يركب الطَّائرة، فأين يضع المال الآن؟ وكيف ينقله؟ من الممكن أن يأخذوه منه، من الممكن أن يسبِّبوا له مشكلةً. فقال له أحدهم: يا هذا، ضعه في الحقيبة. عندما تذهب هذه الحقيبة، فلا أحد ينظر إليها. وكان المبلغ كبيرًا أيضًا، فوضعه في الحقيبة. وعندما وصلنا إلى البلد الذي كنّا نريد، وجدنا باب الحقيبة مفتوحًا! فشحب لونه! عجبًا! الحقيبة كان لها قفلٌ أيضًا. فتحوا القفل، وفتحوا الباب السُّفليَّ جيِّدًا. الآن، لا بدَّ أنَّهم رأوا ما بداخل الحقيبة بهذه الأجهزة الحديثة الَّتي تكشف ما بداخل الحقيبة. لقد كان باب الحقيبة مفتوحًا، وأخذوا كلَّ المبلغ حتَّى آخر فلس منه. لقد وضعوا بقيَّة الأوراق في مكانها جيِّدًا. وكأنهم يقولون: أخذنا ما يفيدنا، فهو خيرٌ لنا ولم يكن خيرًا لكم، أخذناه. وتلك الأوراق والأشياء الَّتي ليست خيرًا لنا وهي خيرٌ لكم، تركناها لكم. حسنًا، فهذه الحادثة هي من هذا القبيل. وقد كسبتَ ضعف ما كسبتَ وعدتَ، فماذا فعلتَ؟! تقول للإمام الصَّادق عليه السلام ذهبنا وتاجرنا بكلّ هذا، فلماذا كانت الاستخارة سيِّئةً؟! حسنًا، تفضَّل! جيِّدٌ ورائعٌ! فلماذا كانت الاستخارة سيِّئةً؟! قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله: الخير ما يبقى مع الإنسان، والشَّرُّ ما يبقى مع الإنسان. تلك الأشياء الَّتي لا تتعلَّق بالإنسان، ليست خيرًا له، وليست شرًّا أيضًا. إذن، يجب أن نفكِّر ما الذي نرتضيه لأنفسنا وما الذي لا نرتضيه. نميِّز بين الخيرات والشُّرور العرفيَّة وبين الخيرات والشُّرور الحقيقيَّة! نميِّز بين الخيرات الاعتباريَّة وبين الخير الحقيقيِّ!يجب أن نفرِّق، أن نكون أذكياء.
- معرفة المعاد، ج٣، ص: ۱۷٥: يروي الصدوق في «الأمالي» ص ٣ بسنده المتّصل عن العلاء بن محمّد بن فضل، عن أبيه، عن جدّه قال: قال قيس بن عاصم: وفدتُ مع جماعة من بني تميم إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله، فدخلتُ و عنده الصلصال ابن الدلهمس، فقلت: يا نبيّ الله عظنا موعظة ننتفع بها فإنّا قومٌ نعبر في البرية.فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «يَا قَيْسُ، إِنَّ مَعَ الْعِزِّ ذُلًّا، وَ إنَّ مَعَ الْحَيَاةِ مَوْتاً، وَ إِنَّ مَعَ الدُّنْيَا آخِرَةً، وَ إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً، وَعَلَي كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً، وَ إِنَّ لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَوَاباً، وَ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ عِقَاباً، وَ لِكُلِّ أجَلِّ كِتَاباً، وَ ِنَّهُ لَابُدَّ لَكَ يَا قَيْسُ مِنْ قَرِينٍ يُدْفَنُ مَعَكَ وهُوَ حَيُّ، وَتُدْفَنُ مَعَهُ وَأنْتَ مَيِّتٌ. فَإِنْ كَانَ كَرِيماً أكْرَمَكَ، وَإِنْ كَانَ لَئِماً أسْلَمَكَ؛ ثُمَّ لَا يُحْشَرُ إِلَّا مَعَكَ، وَ لَا تُبْعَثُ إِلَّا مَعَهُ، وَلَا تُسْألُ إِلَّا عَنْهُ؛ فَلَا تَجْعَلُهُ إِلَّا صَالِحاً. فَإِنَّهُ إِنْ صَلُحَ أنَسْتَ بِهِ، وَ إِنْ فَسَدَ لَا تَسْتَوْحِشُ إِلَا مِنْهُ، وَ هُوَ فِعْلُكَ.»فقال (قيس): يا نبيّ الله احبّ أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر نفخر به على من يلينا من العرب و ندّخره، فأمر النبيّ صلّى الله عليه و آله من يأتيه بِحسّان (بن ثابت)، قال (قيس): فَأقبلتُ أفكّر فيما أشبه هذه العظة من الشعر فاستتبّ لي القول قبل مجيء حسّان، فقلتُ: يا رسول الله قد حضرتني أبيات توافق ما تريد، فقلتُ:
تَخَيَّرْ خَلِيطاً مِنْ فعَالِكَ إِ نَّمَا *** قرِينُ الْفَتَي في الْقَبْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُ وَ لَابُدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ أ نْ تُعِدَّةُ *** لِيَوْمِ يُنَادَي الْمَرءُ فِيهِ فَيُقْبلُ فَإِنْ كُنتَ مَشْغُولًا بِشيءٍ فَلَا تَكُنْ *** بِغَيْرِ الذي يَرْضَي بهِ اللهُ تَشْغَلُ فَلَنْ يَصْحَبَ الإنْسَانُ مِنْ بَعْد مَوْتِهِ *** وَ مِنْ قَبلهِ إِلَّا الذي كَانَ يَعمَلُ ألَا إنَّمَا الإنْسَانُ ضَيفٌ لإهْلِهِ *** يقيمُ قَلِيلًا فِيهمُ ثُمَّ يَرْحَل
- معرفة المعاد، ج٣، ص: ۱۷٥: يروي الصدوق في «الأمالي» ص ٣ بسنده المتّصل عن العلاء بن محمّد بن فضل، عن أبيه، عن جدّه قال: قال قيس بن عاصم: وفدتُ مع جماعة من بني تميم إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله، فدخلتُ و عنده الصلصال ابن الدلهمس، فقلت: يا نبيّ الله عظنا موعظة ننتفع بها فإنّا قومٌ نعبر في البرية.فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «يَا قَيْسُ، إِنَّ مَعَ الْعِزِّ ذُلًّا، وَ إنَّ مَعَ الْحَيَاةِ مَوْتاً، وَ إِنَّ مَعَ الدُّنْيَا آخِرَةً، وَ إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً، وَعَلَي كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً، وَ إِنَّ لِكُلِّ حَسَنَةٍ ثَوَاباً، وَ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ عِقَاباً، وَ لِكُلِّ أجَلِّ كِتَاباً، وَ ِنَّهُ لَابُدَّ لَكَ يَا قَيْسُ مِنْ قَرِينٍ يُدْفَنُ مَعَكَ وهُوَ حَيُّ، وَتُدْفَنُ مَعَهُ وَأنْتَ مَيِّتٌ. فَإِنْ كَانَ كَرِيماً أكْرَمَكَ، وَإِنْ كَانَ لَئِماً أسْلَمَكَ؛ ثُمَّ لَا يُحْشَرُ إِلَّا مَعَكَ، وَ لَا تُبْعَثُ إِلَّا مَعَهُ، وَلَا تُسْألُ إِلَّا عَنْهُ؛ فَلَا تَجْعَلُهُ إِلَّا صَالِحاً. فَإِنَّهُ إِنْ صَلُحَ أنَسْتَ بِهِ، وَ إِنْ فَسَدَ لَا تَسْتَوْحِشُ إِلَا مِنْهُ، وَ هُوَ فِعْلُكَ.»فقال (قيس): يا نبيّ الله احبّ أن يكون هذا الكلام في أبيات من الشعر نفخر به على من يلينا من العرب و ندّخره، فأمر النبيّ صلّى الله عليه و آله من يأتيه بِحسّان (بن ثابت)، قال (قيس): فَأقبلتُ أفكّر فيما أشبه هذه العظة من الشعر فاستتبّ لي القول قبل مجيء حسّان، فقلتُ: يا رسول الله قد حضرتني أبيات توافق ما تريد، فقلتُ:
