
وجوب معرفة التكاليف والعمل بها
أين تساهلت الشريعة وأين تشدّدت؟
متى يكون الجهل بالتَّكليف عذرًا؟ وما هي الأمور التي فيها سعة والأمور التي فيها دِقَّة؟ ما هو دور الذكر والصلاة في السير والسلوك وما دور المراقبة؟ وما مقدار تأثير كلّ منهما؟ ما هو أثر عدم المراقبة في العلاقات الاجتماعيّة كسوء الظنّ على السلوك إلى الله؟ ما مقدار الاعتماد على الاستخارة وما هي الطريقة الأفضل لها؟ وهل يجب أن يختار الله لنا ما فيه مصلحتنا الماديّة؟ تتناول هذه المحاضرة هذه الموضوعات بالبحث والتحليل مستشهدةً بأمثلةٍ وقصصٍ من حياة الأولياء وتجاربهم.
وجوب معرفة التكاليف والعمل بها
4قالت: واللهِ ظننت أنَّها اللَّيلة الأولى من عُرسنا، ولم أكن أعلم أنَّها اللَّيلة الأولى في القبر وسؤال نكيرٍ ومنكرٍ!.
فإذاً لكلِّ شيءٍ محلٌّ، فإذا أردتَ أن تُجري الأصل على هذا المورد مثلًا كأصالة الطَّهارة والحِلِّيَّة والإباحة، فستنسى العطش أصلًا. هل حدث يومًا أن شرب أحدٌ هذا الكوب من الماء وأخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار؟! لا! يا هذا، بل نأخذ هذا الماء ونشربه ونضعه في مكانه، ليس لدينا مثل هذه الأقوال! الشَّارع لم يجعل أصل الطَّهارة هذا لهذه الاحتمالات غير المتعارفة أصلًا! لم يجعله هنا أصلًا. أصلًا لا يجري الأصل هنا! إذا أراد أحدٌ أن يُجري الأصل، فهو مجنونٌ، مخبَّلٌ! إجراء الأصول العمليَّة هو للموارد الَّتي يكون فيها احتمال النَّجاسة احتمالًا عقلائيًّا. فمثلًا، افترض أنَّك تعلم قطعًا بوجود طفلٍ هنا، وافترض أيضاً أنّك تشعر برطوبة ما عليه، والطفل عندما يشعر بالرطوبة فإنّه يضع يده عليها وعلى رأسه ووجهه، كما أنّه ليس واضحاً ما هو مصدر هذه الرطوبة، ثمّ جاء هذا الطفل ولمس الماء صدفة؛ فهنا ينشأ احتمالٌ عقلائيٌّ: هل أنّ هذه الرُّطوبة الَّتي تشاهدها الآن بنفسك وقد وجدت على الطِّفل ، هل سرت هذه الرُّطوبة أم لا؟ هنا يأتي أصل الطَّهارة. وليس في ذلك الاحتمال الأوَّل.
معنى الاستخارة ومكانتها: طلب الخير أم المنفعة؟
كان بعضهم يأتون إلى المرحوم العلَّامة لأيِّ شيءٍ كان. وكان المرحوم العلَّامة يقول: يا عزيزي، الاستخارة فقط للأمور المهمَّة. وذلك أيضًا دأب الأعاظم وأهل التَّوحيد على عدم الاستخارة. وأمّا طَّريقة الاستخارة فهو ما نقلوه: أن يصلِّي الإنسان ركعتي صلاة الاستخارة، ثمَّ بعد الصَّلاة يسجد ويقول مائة مرَّةٍ "أستخيرُ اللهَ برحمته"، ويفوِّض أمره حقًّا وقلبًا إلى الله، فهذه هي الاستخارة. هذا المعنى هو معنى الاستخارة. فالاستخارة تعني طلب الخير، لا طلب المنفعة الدنيويّة. طلب ما يريده الله للإنسان من الخير. لأنَّ الله أحيانًا لا يريد خير الإنسان من خلال المنفعة الدنيويّة.
استخارة الإمام الصَّادق عليه السلام: قصّة وعبرة في معنى الخير الحقيقيّ
لا أدري هل ذكرت هذه القصّة للرُّفقاء أم لا؟ يبدو لي أنَّني ذكرتُها في إحدى جلسات عنوان البصري ـ فهذا ما أذكره الآن ـ فقد جاء رجل إلى الإمام الصَّادق عليه السَّلام وقال: أريد أن أسافر، فاستخر لي هل أذهب أم لا أذهب؟ فاستخار له الإمام؛ أمَّا كيفيَّة ذلك فليست مذكورة في الرِّواية. ولكنَّ الإمام قال في جوابه: لا تسافر! فهذا السَّفر ليس جيِّدًا لك. ولكنّ الرجل سافر، وبالصُّدفة تاجر وأخذ معه بضاعةً وباعها بضعف سعرها الأصليِّ، وعاد إلى وطنه بمالٍ كثيرٍ. فجاء إلى الإمام الصَّادق عليه السلام وقال: سيِّدي، أنت قلتَ إنَّ الاستخارة سيِّئةٌ، وقد ربحت كلَّ هذا، أصلًا ربحت مائةً بالمائة وعدت. فقال الإمام عليه السلام: هل تتذكَّر في يوم كذا عندما تساقط الثَّلج في الطَّريق واضطررتَ إلى الاستيقاظ مبكِّرًا من النَّوم لتلحق بالقافلة، فرأيتَ أنَّ الشَّمس تشرق وأنَّك لا تستطيع أن تصلِّي صلاتك إذا ما أردت اللحاق بها، ولأجل هذا صارت صلاتك قضاء لتلحق بالقافلة؟ قال: نعم. فسوء الاستخارة كان لأجل ذلك اليوم.
