
وجوب معرفة التكاليف والعمل بها
أين تساهلت الشريعة وأين تشدّدت؟
متى يكون الجهل بالتَّكليف عذرًا؟ وما هي الأمور التي فيها سعة والأمور التي فيها دِقَّة؟ ما هو دور الذكر والصلاة في السير والسلوك وما دور المراقبة؟ وما مقدار تأثير كلّ منهما؟ ما هو أثر عدم المراقبة في العلاقات الاجتماعيّة كسوء الظنّ على السلوك إلى الله؟ ما مقدار الاعتماد على الاستخارة وما هي الطريقة الأفضل لها؟ وهل يجب أن يختار الله لنا ما فيه مصلحتنا الماديّة؟ تتناول هذه المحاضرة هذه الموضوعات بالبحث والتحليل مستشهدةً بأمثلةٍ وقصصٍ من حياة الأولياء وتجاربهم.
وجوب معرفة التكاليف والعمل بها
الوصف:
متى يكون الجهل بالتَّكليف عذرًا؟ وما هي الأمور التي فيها سعة والأمور التي فيها دِقَّة؟ ما هو دور الذكر والصلاة في السير والسلوك وما دور المراقبة؟ وما مقدار تأثير كلّ منهما؟ ما هو أثر عدم المراقبة في العلاقات الاجتماعيّة كسوء الظنّ على السلوك إلى الله؟ ما مقدار الاعتماد على الاستخارة وما هي الطريقة الأفضل لها؟ وهل يجب أن يختار الله لنا ما فيه مصلحتنا الماديّة؟ تتناول هذه المحاضرة هذه الموضوعات بالبحث والتحليل مستشهدةً بأمثلةٍ وقصصٍ من حياة الأولياء وتجاربهم.
وجوب معرفة التكاليف والعمل بها
12ارتقاء فهم السَّالك أهمُّ من كثرة الذِّكر: ميزانٌ دقيقٌ
ذات مرَّةٍ كنَّا في مجلسٍ، فجاء أحدهم وطرح مسألةً ـ قبل عدَّة سنواتٍ ـ فقال: الحمد لله، هؤلاء الذين كانوا في وضعٍ معيَّنٍ وخاصٍّ وفي ظروفٍ خاصَّةٍ عباداتهم أصبحت جيِّدةً جدًّا، وذكرهم أصبح جيِّدًا جدًّا، يراقبون كثيرًا، هم أهل ذكرٍ كثير. فالتفتُّ إليه وقلتُ: رحم الله أبانا، كان يقول كم ازداد فهمهم؟! بمجرَّد أن قلتُ هذا، شحب لونه واحمرَّ، قلتُ: كم ازداد فهم هؤلاء؟! الذِّكر ليس مهمًّا! افتحوا المسجِّل و ضعوا شريطًا مدَّته ستُّ ساعاتٍ، سيذكر لكم ستَّ ساعاتٍ، ولن يتعب أبدًا؛ ما دام محرِّكه لم يسخن ولم يحترق والبطَّاريَّة والكهرباء متَّصلةٌ، فهذا الشَّريط أيضًا يدور ويخرج من سمَّاعته صوت الذِّكر. بل المهمُّ أن نرى كم ازداد فهمه؟! كيف أصبح ردُّ فعله في القضايا؟! كيف أصبحت علاقته بالمجتمع والاجتماعيَّات؟! هل يكثر من الذِّكر؟! أنا أيضًا سأجلس من الآن حتَّى الصَّباح وأذكر لكم باستمرار، أعطوني مسبحةً! هذا يُسمَّى أخذ للقشر وترك للُّبِّ والحقيقة. هذا ما يُقال. الخوارج كانوا هكذا! هل هناك أهل ذكرٍ أكثر من أنَّهم كانوا يعلِّقون القرآن ليكون معهم دائمًا! كانوا يجلسون فوق الحمير و يقرؤون القرآن فوق الحمير! وهم يسيرون كانوا يقولون: «بسم الله الرَّحمٰن الرَّحیمِ» ثمَّ هؤلاء أنفسهم، كانوا يهجمون على أطراف الكوفة و يذبحون شيعة أمير المؤمنين عليه السلام ويبقرون بطن المرأة الحامل ويُخرجون الجنين! هؤلاء الخوارج! والقرآن معلَّقٌ في أعناقهم! هؤلاء أنفسهم! فبماذا اختلفتم عن أولئك الذين جاؤوا لمحاربة الإمام الحسين عليه السلام وقتلوا طفله ذا الأشهر الستَّة؟! كلُّهم واحدٌ! الخوارج كانوا يسألون الناس: «هل أنت محبٌّ لعليٍّ أم لا؟» فعندما كان النَّاس يقولون: «نعم، أنا كذلك». كان الخوارج يقولون: إذن أنت كافرٌ! أنت كافرٌ، ونجسٌ، وذلك الجنين الَّذي تحمله أيضًا مثلك، فلنذبحه، ولنبقر بطن المرأة. كانوا يفعلون هذه الأعمال! فلو لم يفعلوا هذه الأعمال، لما ذهب أمير المؤمنين عليه السلام إليهم. الإمام رأى أنَّ هؤلاء يرتكبون الشُّرور. حسنًا الآن ذهبتم، فلتذهبوا إلى جهنَّم! تنحّيتم بأنفسكم، فإلى جهنَّم، اذهبوا لشأنكم، لا أريد أن أرى وجوهكم أصلًا، حسنًا لكن لماذا ترتكبون الشُّرور؟! لماذا تقتلون النَّاس؟! لماذا تهجمون على القرَّاء؟! ما هذه الأعمال الأخرى؟! لماذا تقطعون الطَّريق على القوافل؟! قاموا بهذه الأعمال بحيث قال الإمام عليه السلام: هؤلاء مفسدون ويجب دفع الفساد. ثمّ جاء واستأصل شأفتهم. الآن، لنجلس باستمرار ونذكر، لنجلس باستمرار ونتهجَّد ونُسعد قلوبنا بهذه الأشياء، فلا فائدة من ذلك، فالذِكر يأتي ويُضفي بريقًا على ذلك العمل الَّذي قام به الجصَّاص والمعماريُّ والبنَّاء. قبل أن تدهن هذا الجدار، إذا علمتَ أنَّ هذا الجدار رطبٌ، فمهما دهنتَ ترى أنَّه لا فائدة. أوَّلًا يجب معالجة رطوبة الجدار؛ أوَّلًا يجب إصلاح هذا الباطن؛ يجب أن تقوموا بوضع المادّة العازلة و يجب أن تزيلوا الرُّطوبة؛ عندما يجفُّ و تتأكَّدون، حينها ابدؤوا بالصبغ. حينها يُضفي هذا على الغرفة بريقًا وتكتسب جمالًا وتصبح جميلةً وتختلف من النَّاحية الظَّاهريَّة. أمَّا إن لم تصلحوا الباطن، وجئنا نصبغ باستمرار، فغدًا يتساقط الصبغ مرَّةً أخرى؛ وبعد غدٍ نصبغ مرَّةً أخرى فيتساقط مرَّةً أخرى! قضيَّة الذِّكر أيضًا كذلك. كلَّ ما نعمله في اللَّيل، نصلِّي، نذكر، سيُمحى كلُّ ذلك صباحاً مثل المدحلة. هذه التي تدحل الطُّرق تمحو كلَّ شيءٍ وتذهب. مرَّةً أخرى في اللَّيل نقوم ونذكر، نسجد، نتحمَّل السّهر ولكن مرَّةً أخرى في النَّهار في التَّعامل مع هذا وذاك، الهواجس نفسها والخواطر نفسها والمسائل نفسها، فمرَّةً أخرى ننادي المدحلة: تعالَي يا هذه، فتمحو كلَّ شيءٍ وتذهب. ومرَّةً أخرى بعد غدٍ ليلًا وبعد غدٍ ليلًا وهكذا يستمرُّ الأمر. ينتهي شهر رمضان وهو نظيفٌ، ونحن أيضًا نظيفون، تعادلنا، لم نصعد ولم ننزل الآن لا شأن لنا بالنُّزول في النِّهاية نحن متساوون وقد مضى وانتهى الأمر. ولكنّ هذا ليس صحيحًا! الأعاظم كانوا يرون طريق السُّلوك شيئًا آخر وكانوا يرون الفتوحات للإنسان في هذه الموارد. الانكشافات كانت للإنسان في هذه الموارد. الفتوحات كانت في هذه الموارد. انفتاح القلب واتِّصال نافذة النَّفس بعالم القدس كان في هذه الموارد. في الموارد الَّتي يأتي فيها الإنسان ويتَّصف قلبه بتلك الصِّفات والملكات الرَّبوبيَّة. لا أن يجلس ويذكر لأنَّه بالذِّكر لا يتَّصل. الذِّكر في محلِّه، والقرآن في محلِّه، كلُّ هذه الأمور في محلِّها ولكن ما هو الأصل؟! الأصل هو المراقبة. هذا هو ما قالوه.
