
أهمّيّة الشعور بالحاجة في السير والسلوك
ضرورة الرفيق السلوكي
ما هو دور المعرفة والشعور بالاحتياج في تحريك السالك نحو الله؟ وما خطورة فقدان هذا الشعور أو استبداله بالدلال؟ كيف أثّر عدم وجود وصيّ للمرحوم العلامة الطهراني على مسيرة تلامذته ورفقائه؟ ولماذا يُعدّ اختيار الرفيق الصالح من أهمّ الأمور في هذا الطريق؟ كيف نتعامل مع نقائصنا ونقائص الرفقاء بإنصاف؟ وما معنى النظر الباطنيّ الحقيقي في مدرسة الأولياء؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيِّد محمَّد محسن الحسينيّ الطَّهرانيّ قدَّس الله سرَّه عن ذلك ضمن تحليل فقرة معرفتي يا مولاي دليلي عليك.
أهمّيّة الشعور بالحاجة في السير والسلوك
5عندما يزول الاحتياج... ماذا يحدث؟
و شيئًا فشيئًا يفقد الإنسان شعوره بالمرض، وهذا هو الخطر. لأنَّه إذا كان الإنسان مريضًا، فإنّه يبحث عن سبب المرض. فالإنسان ليس أحمق ليرى أنَّ لديه حاجةً وأنَّه مريضٌ وأنَّ هناك علّةً ومع ذلك لا يسعى لعلاجه. أمّا اذا زالت المعرفة بالمرض، فيزول الاحتياج أيضًا، وعندما يزول الاحتياج، لا يعود الإنسان يسعى وراء شيءٍ، فيجلس في بيته ويضحك، وينشغل باللغو والعبث من دون سببٍ أو داعٍ، وينشغل بنفسه فقط، فلا يهتمُّ بغيره، ويتغيَّر سلوكه. وتتغيَّر أعماله، فكلُّ هذا بسبب ماذا؟ لأنَّه لا يوجد احتياجٌ. فلماذا لا يوجد احتياجٌ؟ لأنَّه لا توجد معرفةٌ. ولا يوجد إدراكٌ. ولا يوجد وعيٌ. ولا يوجد فهمٌ. ولا يوجد شعورٌ. إذن، فعندما يقول الإمام السَّجَّاد عليه السلام: إلهي أنا قادمٌ إليك، ولأنَّني محتاجٌ إليك فأنا قادمٌ. فلو لم أكن محتاجًا لما جئتُ نحوك، ولما كان لي معك شأنٌ أصلًا. ذاك الذي لا شأن له بالله، إنّما هو كذلك لأنَّه لا يشعر بهذا الاحتياج. يقول: الله في شأنه ونحن في شأننا، الله لنفسه ونحن لأنفسنا، لقد خلقنا، ونحن ممتنُّون له جدًّا. ولكن لماذا نقوم بهذا العمل؟! فيقول للإنسان: يا عزيزي لماذا أقوم بهذا العمل؟!
ـ لا تفعل، فنحن لا نقول لك حتمًا يجب أن تفعل، فأنت لست محتاجًا ولذلك تقول: يا عزيزي لماذا نقوم بهذا العمل؟! وأنت لست محتاجًا حتى صرت تقول: سيّدنا هل يمكن التقليل من هذا العمل. فنحن لسنا محتاجين، ولذلك نريد بطريقةٍ ما أن نجعل وضعنا في هذا المحيط وفي هذا الظَّرف وضعًا ممتازًا ومتميِّزًا ونعتبره كذلك، فالذي يكون محتاجًا لا يتحدَّث بهذه الطَّريقة. والَّذي يحتاج لا يتدلَّل. والَّذي يحتاج لا يقول: يا سيِّد لماذا هكذا ولماذا كذلك. فهو لا يتفوَّه بهذه الكلمات أصلًا. والذي يكون محتاجًا لا ينسحب جانبًا. ويقول: بما أنَّهم لم يطلبوا منّا هذا، فنحن بدورنا نجلس جانبًا حتَّى يأتوا هم ويطلبوا منّا. كلاّ ليس الأمر كذلك! فهذا يدلُّ على أنَّك لست محتاجًا. فأنت لديك دلالٌ بدل الاحتياج، والدَّلال هنا لا مكان له. والدَّلال هنا لا يُشترى، بالطَّبع فإن قليله لا بأس به يا عزيزي. فنحن لا نقول يجب أن نتعامل بخشونةٍ وعنفٍ وقسوة! لا نريد ذلك، فالقليل منه مقبولٌ. ولكن لكلِّ شيءٍ حدٌّ. فللطف والرحمة في السّلوك والمعاشرة تقتضي أحيانًا مثل هذه الأمور، ولكن إذا تحوَّلت القضيَّة إلى دلالٍ نفسانيٍّ، وتحوَّلت إلى واقعٍ نفسانيٍّ. فلا نريدها! ويكون الأمر قد صار مختلفًا. فيجب صرف الدَّلال في مكانٍ آخر، حيث يقبل دلال الإنسان. ولماذا لا يقبل هنا؟ لأنَّ الدَّلال هنا يضرُّ بالإنسان، يضرُّ بنفسه، ولأنَّ الدَّلال هنا يسبِّب ركود الإنسان وتوقُّفه، فيبقى في مكانه. والله يريد له الخير أيضًا ولا يريد الشرَّ. فقد دلّلنا الله بما فيه الكفاية. وقال: يا عبدي تعالَ إليَّ، وبابي مفتوحٌ لك، فمتى ما جئتَ قبلتُك، فإن أذنبتَ، فباب التَّوبة مفتوحٌ، فكلُّ هذا ما هو؟ فكلُّ هذا دلال، أليس كذلك؟! فمن يتحدَّث مع عبده ومرؤوسه بهذه الطَّريقة؟ لا يا عزيزي ، يقول كلمةً واحدةً للإنسان ويديرُ ظهره ولا يجيب بعد ذلك. فلانٌ قال لي هذه الكلمة، دعه الآن هو يأتي خلفي. فلانٌ قال لي هذه الكلمة، فلم يعد لي شأنٌ به. فلانٌ قال هذه الكلمة أنا لم أعد...، فنحن هكذا، فكلُّنا دلالٌ من رأسنا الى أخمص أقدامنا ونظنُّ أنَّه احتياجٌ، لا يا عزيزي! فليس الأمر كذلك، وفي النِّهاية هناك مشكلة عامّة مشتركة بيننا جميعًا، وقد دلّلنا الله بهذا المقدار من الدَّلال، لقد دلّلنا الله هذا المقدار وأكثر منه. فلو يعلم عبادي المذنبون كم أفكِّر فيهم، وكم أنتبه إليهم. وكم أنا أهتم بهم، لفعلوا هكذا؟! فلو يعلم أولئك الَّذين لا يُقبلون عليَّ كم أنا مُقبلٌ عليهم، وكم أتوجَّه إليهم، لما استطاعوا فعل شيءٍ من الخجل والحياء۱.
- المَحجّة البیضاء، ج ٨، ص ٦٢: «یا داود، لو یعلَمُ المُدبِرونَ عنّی کيفَ انتِظاري لَهُم و رِفقي بِهِم و شَوقي إلیٰ تَرک مَعاصیهِم، لَماتوا شَوقًا إليّ و تَقَطَّعَت أوصالُهُم مِن مَحبّتي! یا داود، هذه إرادَتي فِی المُدبِرينَ عنّي، فَکیفَ إرادَتي فِی المُقبِلينَ عَلَيّ؟! یا داود، أحوَجُ ما یکونُ العبدُ إليّ إذَا استَغنیٰ عنّي، و أرحَمُ ما أکونُ بِعَبدی إذا أدبَرَ عنّي، و أجَلُّ ما یکونُ عَبدي إذا رَجَعَ إلَيّ.»
