
أهمّيّة الشعور بالحاجة في السير والسلوك
ضرورة الرفيق السلوكي
ما هو دور المعرفة والشعور بالاحتياج في تحريك السالك نحو الله؟ وما خطورة فقدان هذا الشعور أو استبداله بالدلال؟ كيف أثّر عدم وجود وصيّ للمرحوم العلامة الطهراني على مسيرة تلامذته ورفقائه؟ ولماذا يُعدّ اختيار الرفيق الصالح من أهمّ الأمور في هذا الطريق؟ كيف نتعامل مع نقائصنا ونقائص الرفقاء بإنصاف؟ وما معنى النظر الباطنيّ الحقيقي في مدرسة الأولياء؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيِّد محمَّد محسن الحسينيّ الطَّهرانيّ قدَّس الله سرَّه عن ذلك ضمن تحليل فقرة معرفتي يا مولاي دليلي عليك.
أهمّيّة الشعور بالحاجة في السير والسلوك
20وسأقول هذا للرُّفقاء: فحتَّى في الخلوة، النَّفس لا تكفُّ عن نفسها أيضًا، وليس فقط أمام النَّاس، فعندما تتفكّرون ـ فتجربتها لا تحتاج إلى مؤونةٍ كبيرةٍ ـ اذهبوا وأغلقوا باب الغرفة، اجلسوا وانظروا ما هي العيوب التي لديكم؟ ترون أنَّ أنفسكم تتستر عن نفسها، فما هذه الأعجوبة التي خلقها الله بحيث لا تريد أن توضِّح لنفسها ألمها! في الخلوة على الأقلِّ يجب أن توضِّح، فالآن لا يوجد أحدٌ ليفضحني، حتى أعدَّها أمامه (يضحك سماحته). بعض الأفراد كانوا يشهّرون بأنفسهم ـ بالطَّبع نحن لا نقول هذا، فهذه الطَّريقة ليست صحيحةً ـ بعض الأفراد لكي يصفعوا النَّفس، يصفعونها ويسحقونها ويهشمونها، فأحد البرامج التي كانوا يعطونها لهم هو هذا: إنّ العيوب التي تعرفها في نفسك بينك وبين نفسك، اكتبها على ورقةٍ وتعالَ غدًا وأرِ هذه العيوب لرفيقك. فهل نفعل مثل هذا العمل؟! فنأتي بيننا، ونقول: لديّ هذا العيب وهذا وهذا، فنقول هذه العيوب بيننا. وما هي العيوب التي لدينا؟! ما هي النقائص التي لدينا؟! وما هي المشاكل التي لدينا؟! بالطبع هذا العمل ليس صحيحًا أي في منهج المرحوم العلاّمة وهذه المدرسة لا وجود لهذا البرنامج، فلهذه المسألة تبعاتٌ.
فليس صحيحًا! ولكن على الأقلِّ نأتي بيننا وبين الله وننتزع الذريعة من هذه النَّفس، ونأخذ الحجَّة منها، وحقًّا نقيّم أنفسنا لأنفسنا، نقيمها لأنفسنا.
دقّة المحاسبة الإلهيّة: قصّة تذكرة الطائرة الضائعة
بالأمس حدثت لي قضيَّةٌ، لي أنا شخصيًّا. حدثت قضيَّةٌ كانت مثيرةً للاهتمام جدًّا بالنِّسبة لي (يضحك سماحته). بدأتُ أفكِّر بعد ذلك فيها، ما الَّذي حصل! تشرَّفت بزيارة مشهد ليومين أو ثلاثةٍ ـ أريد أن أقول هذا للرُّفقاء لنرى كم هو الأمر دقيقٌ ـ تشرَّفتُ بزيارة مشهد لثلاث ليالٍ، لتقبيل عتبة عليِّ بن موسى الرِّضا عليهما السَّلام، ثمَّ هناك وعند العودة حدثت مسألةٌ بسببها لم آتِ مباشرةً إلى طهران، بسببها ذهبتُ بالأمس صباحًا من مشهد إلى شيراز، وعدتُ البارحة ليلًا من شيراز إلى طهران، وبسبب مسألةٍ ما. فالتَّذكرة التي أُخذت لي في مشهد كانت من مشهد إلى شيراز ثمّ إلى عبّادان. أي أنَّ المسافرين الَّذين كانوا في الطَّائرة ينزلون في شيراز ويذهب بقيَّة المسافرين إلى عبّادان، وأنا نزلت في شيراز، نزلت بالأمس صباحًا، وفي الصَّباح الباكر أيضًا. وعند النُّزول قالوا: إنَّ الَّذين يريدون النُّزول يجب أن يُظهروا تذاكرهم حتَّى لا ينزل أحدٌ بالخطأ. فقلتُ في نفسي: ما معنى إظهار التَّذكرة؟! فهل هناك من سيطلب منِّي التذكرة مثلًا، فما معنى هذا الأمر؟! وأنا بدوري أخرجتها وأعطيتها لذلك الموظّف، ذلك الموظّف الَّذي كان يقف جانبًا، خارج الطَّائرة وينظر إليها وكان لديه شيءٌ، وعندما استرجعت التذكرة التي أخذها منّي، أخذتها بحالةٍ من عدم المراعاة لشأنه، فمراعاة الشأن كانت تقتضي أن أقف حتَّى ينظر هو تمامًا ثمَّ آخذها، ولكنّي أخذتها بحالةٍ من عدم الاكتراث قليلًا في نفسي تجاهه. مثلًا مددت يدي، وربَّما انتبه المسكين أو لم ينتبه، فكان ذاك مشغولًا بالبقيَّة، وربَّما لم ينتبه لهذه القضيَّة أيضًا بأنَّني أخذتها، فأخذتها ووضعتها في الحقيبة. والبارحة عندما أردت المجيء مع أحد الرُّفقاء والأصدقاء الَّذين كنَّا معهم هناك، قال: إنّهم يقبلون أن تعود بنفس هذه التَّذكرة التي لديك ولو لبعد بضعة أيَّامٍ أخرى، لأنَّه لم يكن هناك مكانٌ ونحو ذلك، فقال: إذا وجد مكانٌ بها فسيقبلون أن تعود. فأعطِني التَّذكرة نفسها، وأنا سأقوم بذلك وتعود إلى طهران، ففتحت الحقيبة، فرأيت أنَّ التَّذكرة ليست موجودةً، فأنا وضعتها في الحقيبة، وضعتها في هذه الحقيبة. بحثت في هذا الجانب، ومن الدَّاخل، ثمَّ تبيَّن أنَّ حقيبتي هذه لها جيبٌ على جانبها، وليس لها جيبٌ من الأمام، فهي مستويةٌ أي إذا أدخلتَ يدك تخرج من الجانب الآخر. فلا يوجد شيءٌ، ووضعتُ هذه التَّذكرة هكذا من الأمام، فبمجرَّد أن وضعتها، سقطت هناك من الأسفل، وسرتُ في طريقي وجئتُ! فذهبت تلك التَّذكرة وانتهى أمرها (ضحك سماحته). ثمَّ رجعت البارحة إلى قم، وقد اشترى لي تذكرةً جديدةً أيضًا، فاشترى مجدَّدًا تذكرةً أخرى، فتلك قد ضاعت أصلًا، حتَّى عندما ذهب وسأل، قالوا: لا لم تأتِ معلوماتٌ كهذه، ربّما أخذها غيره، وهو سيستفيد أيضًا. فالله أراد له خيرًا (ضحك سماحته). فجلستُ أفكِّر في نفسي ما سرّ القضيَّة، فقلتُ: هذا بسبب أنَّك تعاملتَ معه بعدم اكتراثٍ، وأعطيتَه البطاقة بحالة عدم اكتراثٍ، فالله جعل يدك بدل أن تضعها في جيب الشنطة، وضعتها في الجيب الَّذي قعره مثقوبٌ. لقد قال الله: تفضَّل (ضحك سماحته). وبينما دخلت هذه اليد في ذلك الجيب، ظننّت أنَّني وضعتها في نفس الجيب الذي يُفترض أنَّه جيب، فذلك الموظّف الذي يقف الآن عند باب الطَّائرة، ما ذنبه؟! فهو يؤدِّي واجبه، وهو عبدٌ للّه، عبدٌ للّه، انظروا هو عبدٌ للّه، يقف ويؤدِّي واجبه، وقد قيل له افعل هذا العمل، فيجب أن ينظر إلى هؤلاء ويتحقَّق منهم ويفعل ما يلزم حتَّى لا يكون هناك أحدٌ قد نزل بالخطأ. وأنت في وضعٍ كهذا، ما علاقته هو بذلك؟! هو يقول: أنا موظّف، والموظّف يجب أن يؤدِّي عمله، يؤدِّي واجبه، فلماذا تعاملتَ معي بعدم اكتراثٍ؟! الله أيضًا يقول: لماذا تعاملتَ معه بعدم اكتراثٍ؟! فأنت معمَّمٌ، فلا ترتكب مخالفةً، ما علاقته هو بذلك؟! فهو يؤدِّي تكليفه، وهو لا يعلم الغيب بأنَّك لا مشكلة لديك. مثلًا ليس لديك قصد سيّء، ولا تريد الإخلال، ومن هذه المسائل الأمنيَّة الموجودة طبعًا. فلماذا نظرتَ إلى عبدٍ من عبادي بنظرة عدم اكتراثٍ بهذه الطريقة؟! فتحمَّل وتفضَّل، هذه التَّذكرة التي يجب أن تذهب إلى هناك، تسقط على الأرض. ويجب أن تتفضَّل وتذهب مرَّةً أخرى لتأخذ تذكرةً جديدة. فالمسألة دقيقةٌ جدًّا، والأوضاع دقيقةٌ جدًّا، يضعون أعمال الإنسان تحت المجهر، وبمجاهرهم هم لا بهذه المجاهر، فمجاهرهم التي تستخرج الشعرة من العجينة. ويستخرجون الذرَّة ويميّزونها ويقولون: هذا لهذا، وهذا لذاك. تعاملتَ مع عبدنا بعدم اكتراثٍ، فلماذا فعلتَ هذا؟! وتبتُ في نفس المكان، واقعًا تبتُ واستغفرتُ وقلتُ: إلهي أنا جاهلٌ ولم ألتفت، ولن أكّرر هذا العمل بعد الآن. فعندما يكون هناك موظّفٌ ويطلب منك هذا، ويطلبه بشكلٍ صحيحٍ، وليس مخالفًا لعمله، فيجب أن تقف بشكلٍ صحيحٍ حتّى ينظر ثمَّ تذهب، فهل التفتّم؟!
