
أهمّيّة الشعور بالحاجة في السير والسلوك
ضرورة الرفيق السلوكي
ما هو دور المعرفة والشعور بالاحتياج في تحريك السالك نحو الله؟ وما خطورة فقدان هذا الشعور أو استبداله بالدلال؟ كيف أثّر عدم وجود وصيّ للمرحوم العلامة الطهراني على مسيرة تلامذته ورفقائه؟ ولماذا يُعدّ اختيار الرفيق الصالح من أهمّ الأمور في هذا الطريق؟ كيف نتعامل مع نقائصنا ونقائص الرفقاء بإنصاف؟ وما معنى النظر الباطنيّ الحقيقي في مدرسة الأولياء؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيِّد محمَّد محسن الحسينيّ الطَّهرانيّ قدَّس الله سرَّه عن ذلك ضمن تحليل فقرة معرفتي يا مولاي دليلي عليك.
أهمّيّة الشعور بالحاجة في السير والسلوك
16قلتُ: الويل لي، الويل لي، حقًّا لو انشقَّت الأرض وابتلعتني لكان ذلك لائقًا.
عجبًا! لقد نسيتُ الأمر تمامًا، ولم أتذكّر أبدًا، وكأنّ هذا الملفُّ كان فارغًا تمامًا، فلا شيء في ذهني، ثمَّ تذكرت أنّني كنت قد قلتُ له ذلك ووعدته. فماذا حدث؟ لا أدري. فالإنسان يَعِدُ صراحةً وينسى تمامًا، فما بالك بأن لا يَعِدَ، ولكن يكون كلامه بطريقةٍ يفهمها الآخر بنحو مغاير، فكم يحدث للإنسان أمثال ذلك، و كم حدث لي أنا شخصيًّا مثله مع الناس. ماذا يقول الناس؟ يقولون: يا له من رجلٍ عجيبٍ، لا يمكن الاعتماد على كلامه ولا على قوله ووعده، أمَّا أنا فماذا أتخيَّل في ذهني؟ حسنًا، هذا نسيانٌ، ولكن بالنِّسبة للطرف الآخر ليس كذلك. قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله أيضًا: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ الْخَطَأُ وَ النِّسْيَانُ...»۱. فالآخر يفهم بطريقةٍ أخرى؛ فماذا يجب أن يفعل؟ كما يحتمل أنَّ يكون الخطأ من الآخر، فليلقي جزءًا من اللَّوم على نفسه أيضًا. ربَّما تكون كيفيَّة كلامه قد أوجدت هذا الوهم لدى الناس. أقول إنَّ هذا حدث لي أنا شخصيًّا، فأنا أتحدَّث عن نفسي، وأنَّ كيفيَّة حديثي كانت بطريقةٍ جعلت المخاطب يفهم الأمر بشكلٍ مختلفٍ، وذهب المسكين ونفَّذه، والحال أننّي لا علم لي بذلك أصلًا. أقول: أنا لم أقل ذلك، فكان من المفترض أن أخبرك. وكان من المفترض أن أخبرك بنفسي، أمّا هو فقد فهمَ المسألة أنّها كانت مؤكَّدةً مائةً بالمائة، وكانت يقينيَّةً. فماذا يفعل؟ هذا هو الموضع الذي يجب على الإنسان أن يتغاضى فيه، هذا هو بالضبط. أي يقول:حسنًا فإنّ الطَّرف الآخر قد أخطأ، والخطأ ليس شيئًا مهمًّا. فكما يَنسب الإنسان الخطأ إلى المخاطب في وجدانه، ويقول: أنا لم أقل هكذا، هو فهم هكذا، كذلك يتلقَّى هذه الحالة النفسيّة للمخاطب تجاه نفسه، بأنَّ هذا الوهم الَّذي وقع فيه هذا الإنسان وهذا الفهم الخاطئ الَّذي فهمه هذا الإنسان، كان بسبب كيفيَّة كلامه هو، وربَّما كان سمعه ثقيلًا فلم يسمع بعض العبارات، ومن الممكن أن سمعه ضعيف فلم يسمع، وفاتته كلمةٌ واحدةٌ، ولو كلمةٌ واحدةٌ، وأحيانًا يفوته حرف واحد هو حرف "الواو" فيفهم الإنسان الأمر بشكلٍ خاطئٍ، فانظروا هذه هي القضيَّة، والمسألة هي أنَّنا يجب في علاقاتنا أن نجعل المسألة خمسين بخمسين على الأقلِّ، وأن نتعامل دائمًا مع رفقائنا ومع أصدقائنا على أساس جهة الاشتراك، وإلاّ إذا كان الأمر على أساس جهات الضَّعف؛ فيذهب هذا لشأنه وذاك لشأنه وأبقى وحيدًا، ويقال: الكلام ما قاله السيِّد ، الكلام ما قاله السيِّد، الأمر ما تفضّل به، الأمر ما تفضّل به، وهذا لا فائدة منه، فقولي أنا لم يعد له فائدةٌ؛ لأنَّني أنا أيضًا واحدٌ مثل الآخرين، فأنا أيضًا لا أختلف عنهم، ومن الجيِّد أن يصل الإنسان بنفسه إلى هذه النُّقطة وأن يعالج مشكلته بنفسه.
- الكافي، الشيخ الكليني، ج ٢، ص ٣٦٢، ح ٤: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ: الْخَطَأُ، وَ النِّسْيَانُ، وَ مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ، وَ مَا أَخْطَئُوا فِيهِ، وَ مَا حَسَنَ، وَ الطَّيَرَةُ، وَ الْوَسْوَسَةُ فِي التَّفَكُّرِ فِي الْخَلْقِ، وَ الْحَسَدُ مَا لَمْ يُظْهِرْهُ بِلِسَانٍ أَوْ يَدٍ.»
