
أهمّيّة الشعور بالحاجة في السير والسلوك
ضرورة الرفيق السلوكي
ما هو دور المعرفة والشعور بالاحتياج في تحريك السالك نحو الله؟ وما خطورة فقدان هذا الشعور أو استبداله بالدلال؟ كيف أثّر عدم وجود وصيّ للمرحوم العلامة الطهراني على مسيرة تلامذته ورفقائه؟ ولماذا يُعدّ اختيار الرفيق الصالح من أهمّ الأمور في هذا الطريق؟ كيف نتعامل مع نقائصنا ونقائص الرفقاء بإنصاف؟ وما معنى النظر الباطنيّ الحقيقي في مدرسة الأولياء؟ تجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيِّد محمَّد محسن الحسينيّ الطَّهرانيّ قدَّس الله سرَّه عن ذلك ضمن تحليل فقرة معرفتي يا مولاي دليلي عليك.
أهمّيّة الشعور بالحاجة في السير والسلوك
13التعامل مع نقائص الرفقاء ونقائصنا!
وبالطَّبع، أقول هذا للرُّفقاء أيضًا، فلا يتصوَّروا أنَّه بمجرَّد أن يحمل الإنسان عنوانًا ما، تنتهي المسألة، كلا! فكلُّنا لدينا نقصٌ، وكلُّنا لدينا مشاكل، وبكلِّ صراحةٍ كلُّنا لدينا مشاكل، فالمسألة ليست مزاحًا، ابتداء منِّي أنا المتحدِّث وإلى الأصدقاء والرُّفقاء المستمعين، فكلُّنا لدينا مشاكل. ولا بأس في ذلك، فهل وجود المشاكل عيبٌ؟! نحن هكذا كما نحن، قيل: المال الرَّديء يبقى عند صاحبه. نحن عباد الله. ألا يقبلنا الله؟! لماذا؟! فلنكن ذوي مشاكل، هل نرفض العبد ذا المشاكل؟! وهل يجب أن يكون الجميع سلمان؟! وأن يكونوا سلمان وأبا الفضل عليهما السَّلام؟! لا يا عزيزي، الله يهتمّ بنا نحن أيضًا، ويهتمّ بنا كثيرًا. فلا تظنُّوا أنه لا يهتمّ بنا، فليس الأمر كذلك، وإمام الزَّمان عليه السَّلام يهتمّ بنا كثيرًا، مع هذه النَّقائص التي فينا، ومع هذا الضَّعف الذي فينا، ومع هذه الأمور، لماذا يهتمّون بنا؟! لأنَّهم عظماء، لأنَّهم كرماء، فهم ينظرون إلينا بكرمهم وبسعة صدرهم، لا بعيننا الضيِّقة، نحن إذا قال لنا أحدٌ: فوق عينك حاجبٌ، لا ننظر إليه طوال العمر. أمّا هم فليسوا كذلك، هم رؤيتهم مختلفةٌ من الأساس، وحالهم مختلفةٌ، وصفاتهم صفاتٌ إلهيَّةٌ، فالله لا يقاطع عبده، حتَّى يزيد ومعاوية، فالله لا يقاطعهما، فهم في النِّهاية عبادٌ أيضًا، ولكنّهم هم يقاطعون الله، أمّا الله فلا يقاطعهم. قال الإمام السجَّاد عليه السَّلام ليزيد: نعم، أنت أيضًا لو تبتَ لقبل الله توبتك. ولكنّه لم يعد يوفَّق بسبب أعماله التي فعلها، وهذه مسألةٌ أخرى. فالله يقبل التَّوبة.
كلُّنا لدينا مشاكل، ولكن محلّ الكلام هو أنّه هل نحن مع هذه المشاكل أفضل أم أفرادٌ آخرون لا علاقة لهم أصلًا؟! أيُّهما أفضل؟! فعندما نضع هاتين المسألتين في كفَّة الميزان، أيُّهما يرجح؟! أيُّهما يغلب؟! وعلاوة على ذلك، فكلُّ إنسان يأنس أكثر بذلك الَّذي ينسجم معه أكثر من حيث السنخيَّة، ومن حيث الأفكار، ومن حيث... لنفترض أنَّ الإنسان لديه مائة رفيقٍ، مائتا رفيقٍ، ولكنّه يتواصل بشكلٍ أعمق مع أربعةٍ منهم، يأنس بأربعةٍ منهم أكثر، فلا إشكال في ذلك. كان هذا موجودًا دائمًا، وفي زمن المرحوم العلاّمة أيضًا كان موجودًا. فالأنس الأكثر لا يطرد الرِّفقة، فالرَّفيق محفوظٌ في مكانه. وهناك رفيقٌ لا يفهم كلام الإنسان، أي أنَّ سعة فهمه أقلُّ، فمن المسلَّم ألاّ يتحدَّث الإنسان معه بهذا الكلام مع الحفاظ على الرِّفقة. فهل تقولون لطفلكم في البيت كلَّ ما تريدون؟! لا تقولون، لا يتحمَّل، تقولون ذلك لطفلكم الكبير ولكن لا تقولونه لطفلكم ذي الخمس سنواتٍ، فذاك لا يتحمَّل، وهذا يتحمَّل. سعة الأفراد في هذه المسألة متفاوتةٌ، وهذا لا يطرد الرِّفقة. ولكن أن نأتي ونقول إنَّ هذا كذا، وهذا لديه هذا العيب، يا عزيزي أنت لديك مائة عيبٍ أسوأ منهم. فهل فكَّرتَ في نفسك أنَّ العيب نفسه الذي تقوله عن الآخرين، يقوله الآخرون عنك أيضًا؟! فهل فكَّرتَ في هذا؟! أم لا بل بمجرَّد أن تصل القضيَّة إليك، تقول: كلا، أنا لستُ كذلك، أخطؤوا واشتبهوا، والعيب الذي أقوله عنهم صحيحٌ، أمَّا أنا فلا يلحقني عيبٌ أصلًا. أيُّها الرُّفقاء! النَّفس لا تسمح بأن نعيب أنفسنا، وهذا خطرٌ. ما نعتبره نقصًا في الآخرين، يتوجَّه إلينا عشرة أضعافه. ولكن لأنَّ النَّفس المباركة في مقام العزَّة والاستعلاء، وتعتبر نفسها مبرَّأةً ومنزَّهةً عن كلِّ شائبةٍ وعيبٍ، لذلك توجِّه كلَّ السِّهام نحو هذا؛ فهذا كذا، وذاك كذا، يقولون إنَّه يفعل كذا، وذاك يفعل كذا، وذاك يقول عنِّي هذا الكلام، وذاك يقول عنِّي هذا، وذاك يخطئ، وذاك لا أدري ماذا يفعل، أمَّا إذا نظرنا إلى أنفسنا قليلًا، فسنرى أنّ هذا الإشكال يرد علينا نحن أيضًا.
