
الحبّ شفيع الإنسان إلى الله لا العمل
الفرق بين معرفة الله ومعرفة الأحكام والعلوم
لماذا لا تكفي معرفة الأحكام للوصول إلى معرفة الله؟ ولماذا الحبّ هو الشفيع وليس العمل؟ تبحث هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني (قدّس سرّه)، في هذه الأسئلة الجوهريّة من خلال شرح فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي، كما تناقش قيمة العمل وارتباطه بالإخلاص والنية، وتؤكّد على أهميّة التفكّر العميق بدلًا من العبادة الخالية منه، مبينةً الفارق بين معرفة الله الحقيقيّة ومعرفة شؤونه.
الحبّ شفيع الإنسان إلى الله لا العمل
3هلِ المعرفةُ بالفقهِ توصِلُ إلى معرفةِ اللهِ؟
لنرتَقِ أعلى ونتجاوَز هذهِ العلومَ أيضًا لنصِلَ إلى العلومِ والفنونِ الدينيَّةِ والشريعةِ. لنفترض أنَّ الفقهَ عبارةٌ عنِ العلمِ بالوظائفِ، أي الفقه الاصطلاحيّ وليسَ الفقهَ بمعناهُ الكاملِ والشاملِ للعلومِ التي جاءتنا عن طريقِ الوحيِ من رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وآله والأئمةِ المعصومينَ عليهم السلام، لا! بل الفقهُ الاصطلاحيُّ، المُتداوَلُ والمُتعارَفُ حاليًا، وهو الرواياتُ والأحاديثُ المتعلِّقةُ بالواجباتِ والمحرَّماتِ فقط، وشكوكِ الصلاةِ وشُبُهاتِ الصومِ، والرواياتُ المتعلِّقةُ بالتجارةِ، والدِّيَاتِ، والقصاصِ والجهادِ والخُمسِ والزكاةِ والحجِّ وأمثالِ ذلكَ. فما علاقةُ هذهِ باللهِ؟ فهذهِ لا تجلبُ معرفةً به. فإذا علِمنا أنَّ الشكَّ بينَ الركعتينِ والثلاثِ في الصلاةِ يُبطِلُها ويجبُ إعادتُها منَ البداية، فهل لهذا علاقةٌ به؟! فهذا تكليفٌ فرضَهُ اللهُ علينا بهذهِ الطريقةِ: وعلى سبيلِ المثالِ، إذا شككتَ بينَ الركعة الثالثة والرابعة فابنِ على الأكثرِ، وإذا شككتَ بينَ الثانية والثالثة أو الأولى والثانية فصلاتُكَ باطلةٌ. أو إذا شككتَ في الطهارةِ أثناءَ الصلاةِ فيجبُ عليكَ إتمامُ الصلاةِ، وإذا كانَ الشكُّ في بدايةِ الصلاةِ فيجبُ عليكَ الوضوءُ مرَّةً أخرى، وإذا شككتَ بعدَ الصلاةِ هل صلَّيتَ على طهارةٍ أم لا، فيجبُ عليكَ العملُ بقاعدةِ «لا تُعادُ»۱ فلا يجبُ عليكَ الإعادةُ، ولكن يجبُ عليكَ الوضوءُ للصلاةِ التاليةِ، هذا إذا كان في موضعٍ لا يمكن معه الاستصحابِ، أمّا إذا أمكن الاستصحاب، فهو جار بالنسبةِ للصلاةِ التاليةِ. فما علاقةُ هذا باللهِ؟ فقد شككنا في الصلاةِ بينَ الركعة الثانية والثالثة وأعدنا صلاتَنا منَ الأوَّلِ٢، وهذهِ ليست معرفةً بهِ، هذهِ معرفةٌ بالصلاةِ. أو أنّه يتعلَّقُ بهذا المِقدارِ من المحصولِ الزراعيِّ زكاةٌ مُعيَّنةٌ، أو إذا سُقِيَ بماءِ المطرِ فالمِقدارُ كذا، وإذا سُقِيَ بماءِ السَّقيِ اليدويِّ أوِ البئرِ أوِ القناةِ فالمِقدارُ كذا منَ الزكاةِ. حسنًا، فهذا لا علاقةَ لهُ بهِ، إنَّهُ حُكمٌ ووظيفةٌ شرعيَّةٌ، وعلى المسلمِ أن يعملَ بوظيفتِهِ الشرعيَّةِ. هذا لا يرتبطُ بأسمائه وصفاتِهِ. ومَن يملِكُ ذهبًا بهذا المِقدارِ ومضى عليهِ عامٌ، فيجبُ عليهِ دفعُ زكاتِهِ، فما علاقةُ هذا باللهِ؟!
إذًا، الفقهُ بهذا المعنى الاصطلاحيِّ ليسَ معرفةً بكَ يا إلهي، إنَّهُ علمٌ بالوظائفِ والتكاليفِ الظاهريَّةِ المأمور بها من قِبَلِ اللهِ تعالى والتي يجبُ على المسلمِ القيامُ بها وهو مُلزَمٌ بها، إمَّا عن طريقِ الاجتهادِ إذا توفَّرت فيهِ شروطُ الاجتهادِ ـ ليسَ هذا الاجتهادَ المطروحَ اليومَ، بل ذلكَ الاجتهادُ الذي لا يكادُ أن يوجدُ! أي ذلك الاجتهادُ الذي كانَ لدى العلامةِ الطباطبائيِّ رحمه الله ـ أو عن طريقِ التقليدِ ـ ولا يجوز الاحتياطُ أيضًا في أصولِ الدينِ ـ تقليدِ المجتهدِ الأعلمِ، المجتهدِ الذي تثبُتُ أعلميَّتُهُ لدى الإنسانِ بالطُّرُقِ الشرعيَّةِ، فيجبُ على الإنسانِ أن يعملَ وهو واجبٌ، وإذا قصَّرَ فسيُحاسِبُهُ اللهُ حسابًا عسيرًا. وهذا حُكمٌ ظاهريٌّ وعلى كلِّ مسلمٍ أن يقومَ بهِ، ولكن ما علاقتُهُ باللهِ؟! فهذهِ ليست معرفةً بهِ! أنتَ تعلَّمتَ أحكامَ الصلاةِ وشكوكَها، فكم بلغت معرفتُكَ بهِ؟ لا شيء! لقدِ اطَّلعتَ على الأحكامِ والأفعالِ التكليفيَّةِ، صحيحٌ. فنحنُ نطَّلِعُ على الأحكامِ التي أوجَبَها علينا، صحيحٌ، نقبلُ بهذا، إمَّا عن طريقِ الاجتهادِ أوِ التقليدِ. ولكن باطِّلاعِنا على هذهِ الأمورِ، كمِ اطَّلعنا على ذاتِه تعالى؟ صفر، لا شيء، أو واحدٌ بالمئةِ، أي بمقدارٍ قليل جدًّا، قليل جدًّا! فمثلاً يجبُ أن تُؤدِّيَ الطوافَ سبعةَ أشواطٍ، وإذا شككتَ هل أتممتَ سبعةَ أشواطٍ أم لا، فماذا يجبُ أن تفعلَ؟ هل تبني على الأقلِّ وتُكمِلُ، أم تبني على الأكثرِ وتحتاطُ؟ إذا كانَ أقلَّ من ثلاثةِ أشواطٍ ونصفٍ فالطوافُ باطلٌ، وإذا كانَ بعدَ ثلاثةِ أشواطٍ ونصفٍ... فما علاقةُ هذا بالله؟ فالآنَ بعدَ أن فهمنا هذا، هل زادت معرفتُنا بهِ؟ لا، بل معرفتُنا بالأحكامِ هي التي تزيدُ، لا معرفتُنا بهِ.
- قاعدة فقهيّة مستفادة من الحديث عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «لا تعاد الصلاة إلا من خمس: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود».
راجع مائة قاعدة فقهيّة للسيّد المصطفوي ص ٢٣٢. (م) - طبعًا هذا المثال ينطبق على صلاة المغرب. (م)
- قاعدة فقهيّة مستفادة من الحديث عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «لا تعاد الصلاة إلا من خمس: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود».
