
الحبّ شفيع الإنسان إلى الله لا العمل
الفرق بين معرفة الله ومعرفة الأحكام والعلوم
لماذا لا تكفي معرفة الأحكام للوصول إلى معرفة الله؟ ولماذا الحبّ هو الشفيع وليس العمل؟ تبحث هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمد محسن الطهراني (قدّس سرّه)، في هذه الأسئلة الجوهريّة من خلال شرح فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي، كما تناقش قيمة العمل وارتباطه بالإخلاص والنية، وتؤكّد على أهميّة التفكّر العميق بدلًا من العبادة الخالية منه، مبينةً الفارق بين معرفة الله الحقيقيّة ومعرفة شؤونه.
الحبّ شفيع الإنسان إلى الله لا العمل
13والآنَ فلنستمِرَّ في الذهابِ لزيارةِ الإمامِ الحسينِ عليه السلام! ذهبتَ مرَّتينِ؟ حسنًا، اذهب عشرينَ مرَّةً أُخرى. وكما يقال: "ذهبنا حميرًا وعُدنا بقرًا". لقد ذهبتَ عشرينَ مرَّةً، فاذهب مِئتي مرَّةٍ أُخرى، ففي النهايةِ لقد رأيتَ السهول ورأيتَ الجبال وتنزَّهتَ. فالإمامُ الحسينُ عليه السلام يقولُ: اجلِس في بيتِكَ في مكانِكَ، فإذا أردتَ أن تتّبَعَني، لا أقولُ لا تأتِ لزيارتِي، لا! ولكن إذا جِئتَ، فاجعل نفسَكَ تابِعًا لي ومُتَّبِعًا لي، ثمَّ تعالَ للزِّيارةِ. اجعل نفسَكَ في طريق ذلكَ الهدفِ، ثمَّ تعالَ للزِّيارةِ. لا أن تنهضَ وتأتيَ للزِّيارةِ لكي تجِدَ لنفسك موقعًا ومكانة في ذلكَ الهدفِ، لا! فعندها لا يوجد شيءٌ هناك بتاتًا. يا إلهي، نذهبُ للعُمرةِ لكي تجعلَنا منَ المُوحِّدينَ! فيقولُ اللهُ: لا يا عزيزي! لا تتوهّم وتخدع نفسك، فإذا ذهبتَ للعُمرةِ مرَّةً واحدةً، اذهب مِئةَ مرَّةٍ أُخرى، ﴿فَلَم يَزِدهُم دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾۱ فإنّك لا تزداد إلّا بعدًا عنِّي . لماذا؟ لأنَّكَ بدلًا من أن تُصيبَ الهدفَ الأصليَّ، ضربتَ في الضَّلالِ. تُريدُ أن تجِدَني في التجوال في السماواتِ والأرضِ؟ اجلِس في بيتِكَ نِصفَ ساعةٍ وفكِّر، فهذا أهمُّ من ألفِ عُمرةٍ، لا تُنفِق مالَكَ وأعطِهِ للفُقراءِ، فلماذا تُنفِقُهُ؟ أطعِمِ الطعامَ واقضِ الحوائِجَ. فبدلًا من هذا الذهابِ والإياب، فكِّر نِصفَ ساعةٍ، فكِّر في نفسِكَ وفي أعمالِكَ وفي النَّوايا التي تمُرُّ في ذِهنِكَ وفي الميولِ التي لنفسِكَ نحوَ هذا وذاكَ. فهذا أهم منَ المجيءِ والطوافِ وزيارةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله. فزيارةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله لا تفيد في حدّ نفسها، ولو كانت تفيد لوجب أن يكون الذي يذهبُ إلى المسجدِ النبويِّ ويُقيمُ الصلاةَ صباحًا وظُهرًا ومساءً يجبُ قد فَنِيَ أوَّلًا وبَقِيَ باللهِ، ثمَّ قفزَ عشرَ مرَّاتٍ بعدَ الفناءِ. أنتم ترونَ الآنَ، جالِسٌ في المسجدِ النبويِّ يتحدَّثُ للناسِ، يقرأُ روايةً كاذِبةً، أمامَ أعيُنِنا يختلِقُ الروايةَ ويكذِبُ. والآنَ أنتَ تعالَ واجلِس في المسجدِ النبويِّ أمامَ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله نفسِهِ وتحدَّث. فإذًا يتَّضِحُ أنَّ الوقوفَ في حرم النبيِّ صلَّى الله عليه وآله ليس بالشيء العظيم ، والجلوسَ على مِنبرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله لا فائدةَ فيهِ، والصلاةَ في مَوطِئِ قدَمِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله لا فائدةَ فيها، والدَّفنَ بجِوارِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله لا فائدةَ فيهِ، لا فائدةَ أبدًا. ما فيهِ فائدةٌ هو أن يجعلَ الإنسانُ نيَّتَهُ نيَّةَ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله، وإن لم يكن في مَوطِئِ قدَمِهِ، وإن لم يكن على مِنبرِهِ، ذلكَ هو المُهِمُّ!
- سورةِ نوحٍ (۷۱) الآيةُ ٦.
