
لزوم تعلّم الفلسفة لإدراك حقائق الدين
هل تكفي العلوم الظاهريّة لمعرفة الله؟
هل يمكن فهم الآيات والروايات المتعلّقة بالتوحيد وصفات الله تعالى بعيدًا عن دراسة الفلسفة والحكمة؟ لماذا لم يفهم الكثيرون كلام الأئمّة عليهم السلام رغم حفظهم للروايات؟ ما الفرق بين المعرفة العقليّة والمعرفة الشهوديّة؟ وهل يكفي الاقتصار على علوم المادّة للوصول إلى حقيقة الخالق؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة، مبينةً أهميّة العلوم العقليّة والعرفانيّة في الغوص في أعماق النصوص الدينيّة وإدراك الحقائق الإلهيّة التي تفوق مستوى الفهم السطحيّ.
لزوم تعلّم الفلسفة لإدراك حقائق الدين
8سؤالٌ لا يليق: كم شعرةً في رأسي؟
يقول سعد بن أبي وقّاص: يا علي، كم شعرةً في رأسي؟ فهل يخطب الإمام فيهم خطبًا توحيديّة؟! حيفٌ على ذلك الوقت الذي يُضيّعه الإمام مع هؤلاء؟! فلم يكن الملاّ صدرا وابن سينا والفارابي وصدر الدين القونوي والسهروردي وحافظ ومولانا قد جلسوا يستمعون لكلام الإمام، بل جمعٌ من الناس. فقال له: يا عليّ. كم شعرةً في رأسي؟!
هل تريد أن تستخدم النورة لرأسك؟ لنفترض أنّ في رأسك عشرة آلاف شعرة، وخمسين ألف شعرة، هكذا حقًّا كانوا يتعاملون مع أمير المؤمنين عليه السلام، وهكذا نتعامل نحن مع الأولياء! ولا يختلف الأمر، يجب أن نستفيق قليلاً وننتبه، إذن لماذا كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول تلك الخطب؟! لأنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن يختصّ بذلك الزمان، بل هو لهذا الزمان وهو لنا. نعم! كان هناك عددٌ قليلٌ في ذلك الوقت: ميثم وحبيب ورُشيد، كانوا من الأصحاب والمقرّبين، وكما يقال، من الحواريّين والمحيطين بأمير المؤمنين عليه السلام. والإمام كان مسرورًا بهؤلاء الأربعة أو الخمسة، حسب مراتبهم. ولكنّه قال تلك المعارف من أجلنا الآن، الآن يظهر صدر المتألهين ويثبت وحدة الوجود ووحدة الحقّ بالصرافة، حتّى يتضح الآن كلام أمير المؤمنين عليه السلام على مبنى أصالة الوجود ووحدة الوجود وتشخّص الوجود، بعد ألف عام۱، فهل نفهم ماذا قال الإمام قبل ألف وأربعمائة عام؟ ماذا قال الإمام الرضا عليه السلام قبل ألف ومائتي عام؟
من العقل إلى الشهود: مرتبةٌ أعلى في الإدراك
هذا في حدود فهمنا، أما الحقيقة الأسمى والأعلى، فتتعلّق بمرتبة الشهود، حيث يشاهد الإنسان بقلبه ما توصّل إليه بعقله. يقال لك: يا رجل، الحلوى حلوةٌ، ولها هذا العطر وهذا الطعم وهذه الرائحة، وأنت لم تأكلها أبدًا، فيتكوّن في ذهنك صورة للحلوى، تلك الصورة، حسب شدّة الذكاء والفطنة وكيفيّة إدراك الجزئيّات، تكون قريبةً من تلك الحقيقة أو بعيدةً عنها، كلٌّ في ذهنه. ثمّ يأتون بها ويضعونها أمامك ويقولون: كُل الآن. وبعد أن يأكل الإنسان يقول: هذه هي التي أدركتُها. ثمّ يقول: لا، إنها تختلف قليلاً عما أدركتُه. ذلك الاختلاف القليل يعود إلى أنّه لم يتصوّرها مائة بالمائة في مقام التصوّر. كان قد اقترب منها، وصل إليها بنسبة سبعين بالمائة، وصل إليها بنسبة ثمانين بالمائة، ووصل إليها بنسبة ستين بالمائة.
- قال العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ج٦، ص ۱۰٤: المأثور من كلمات الفلاسفة الباحثين في مصر القديم واليونان وإسكندريّة وغيرهم ممّن بعدهم يعطي الوحدة العدديّة حتّى صرّح بها مثل الرئيس أبي علي بن سينا في كتاب الشفاء، وعلى هذا المجرى يجري كلام غيره ممّن بعده إلى حدود الألف من الهجرة النبويّة... فالذي بيّنه القرآن الكريم من معنى التوحيد أول خطوة خُطيت في تعليم هذه الحقيقة من المعرفة... و لم نجد ما يكشف عنها غطاءها إلا ما ورد في كلام الإمام عليّ بن أبي طالب عليه أفضل السلام خاصّة، فإنّ كلامه هو الفاتح لِبابها، والرافع لسترها وحجابها على أهدى سبيل وأوضح طريق من البرهان، ثمّ ما وقع في كلام الفلاسفة الإسلاميين بعد الألف الهجري، وقد صرحوا بأنّهم إنما استفادوه من كلامه عليه السلام. انظر: حقيقة التوحيد في الكتاب والسنّة عند العلامة الطباطبائي.
