
هل الفلسفة منفصلة عن الدين؟
كيف نتعامل مع العلوم غير الدينية؟
هل الفلسفة مرفوضة بسبب أصولها اليونانيّة؟ وكيف نتعامل مع العلوم غير الدينيّة كالطب؟ وهل يُقبل الحق بغضّ النظر عن مصدره أم لا بدّ أن يكون مصدره مسلمًا؟ وهل صحيح أنّ الفلسفة التي بين أيدينا يونانيّة؟ وما هو التطوّر الذي حدث فيها على أيدي المسلمين كابن سينا والملا صدرا وابن عربي؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة مبيّنة الفرق بين معرفة الإمام الحقّة والتعلّق بظواهر الأمور كزمن ظهوره.
هل الفلسفة منفصلة عن الدين؟
3الردّ على المدرسة التفكيفيّة: الفلسفة يونانيّة الأصل
من الإشكالاتِ المهمّةِ التي ترد على فصلِ مباني الحكمةِ والفلسفةِ عنِ الدينِ وكذلك فصل المكاشفات الروحانيّة والمعنويّة لأهلِ العرفانِ والمعرفةِ والشهودِ عنه ـ كما تذهب المدرسة التفكيكيّة ـ قائلة: إنَّ هذهِ المسائلَ وهذهِ العلومَ كالفلسفةِ والحكمةِ قد جاءت من اليونانِ قبلَ الإسلام ولم تكن من الإسلامِ.
فمن الإشكالات المهمّة التى ترد عليها هو أن نقول: نعم، هذا صحيحٌ؛ فقد كانَ فلاسفةُ وحكماءُ اليونانِ قبلَ الإسلامِ، وأعاظمُ أهلِ التوحيدِ مثل أفلاطونَ وأرسطو وسقراطَ وبقراطَ هم من كبارِ أهلِ التوحيدِ، وإن لم يكونوا مسلمينَ. فهل كانَ عيسى وموسى عليهما السلام مسلمينَ (بالمعنى الاصطلاحيِّ)؟! كلُّ الأنبياءِ كانوا على الإسلامَ بمعنى التسليمِ، وفي الآيةِ القرآنِيّة نجدُ أنَّهم جميعًا كانوا مسلمينَ بمعنى التسليمِ لإرادةِ الحقِّ وشريعتِهِ، ولكنَّ الإسلامَ بالمعنى الاصطلاحيِّ خاصٌّ بشريعةِ النبيِّ محمّدٍ صلَّى الله عليه وآله. الأنبياءُ السابقونَ كانت لهم شرائعُهمُ الخاصةُ، ومعَ ذلكَ، نحنُ نحترمُهم جميعًا، ومَن يسُبُّهم نعتبرُهُ خارجًا عن دينِنا، إلى هذا الحدِّ نحترمهم، فمَن يُهينُ عيسى عليه السلام، فنحنُ المسلمينَ نعتبرُهُ خارجًا عن دينِنا. عيسى عليه السلام نبيٌّ للّه عظيمُ الشأنِ، وموسى عليه السلام كذلكَ. فلو كانَ قبرُ موسى عليه السلام معروفًا وكانَ في إيرانَ، ألم نكن لنذهبَ لزيارته؟! نبيٌّ إلهيٌّ! بل كنَّا سنذهبُ كلَّ يومٍ، ونُقبِّلَ عتبتَهُ. إنَّهُ نبيٌّ إلهيٌّ ولهُ مكانتُهُ الخاصّةُ، وهو وليٌّ من أولياءِ اللهِ، ومقامُهُ محترم. أمَّا الشريعةُ فهي خاصةٌ بالنبيِّ محمّدٍ صلَّى الله عليه وآله وهي أمرٌ محدَّدٌ. والآنَ، هل لأنَّهُ [عليه السلام] جاءَ قبلَنا، فيجبُ علينا أن نُهينَهُ ـ لا سمحَ اللهُ ـ ونسُبَّهُ ونشتُمَهُ ونتجاهلَهُ؟ كلَّا! فعيسى عليه السلام من الأنبياءِ الإلهيّينَ، وجميعهم محترمونَ ومعزَّزونَ، ويجبُ أن يكونَ الأمرُ كذلكَ في جميعِ الأديانِ.
قصّة حفر قبر أمير المؤمنين عليه السلام بجوار آدم ونوح عليهما السلام
نوحٌ عليه السلام، نحنُ الآنَ نذهبُ لزيارةِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام، وبجوارِهِ يرقدُ نبيَّانِ إلهيَّانِ: آدمُ عليه السلام ونوحٌ عليه السلام. «السلامُ عليكَ وعلى ضجيعَيكَ آدمَ ونوح ». ويبدو أنَّ نوحًا وآدمَ عليهما السلام كانا ذكيَّينِ وفطِنَينِ جدًّا! كانا يعلمانِ ما القصّةُ. فقد حفرَ نوحٌ عليه السلام قبرَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام هذا قبلَ الطوفانِ بخمسمائةِ عامٍ، ليُدفنَ هو هنا ويُوضَعَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلام بجوارِهِ لاحقًا. كم كانَ ذكيًّا حتّى أدرك ما ستؤولُ إليهِ الأمورُ! فقبلَ الطوفانِ بخمسمائةِ عامٍ، جاءَ نوحٌ عليه السلام وطلبَ من اللهِ أن يجعلَ مكانَهُ في هذهِ الدنيا بجوارِ جسدِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام، فاستجابَ اللهُ لهُ، فجاءَ وحفرَ قبرَ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام بجوارِ قبرِهِ وأوصى أن يُدفنَ هنا. مضتِ القصّةُ وجاءَ الطوفانُ ومضت مئاتُ وآلافُ السنينَ. وهكذا مضى الأمرُ، وكانت هذهِ المسألةُ مَخفيَّةً، ويبدو أنَّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلام لم يُخبِر بها أحدًا، أو على الأقلِّ ليسَ لدينا نصٌّ بذلكَ. حتى الليلةَ التي سبقت وفاتَهُ عليه السلام، فكانَ من ضمنِ وصاياهُ أنَّهُ عندما تحملونَ جسدي، لا تحملوا مقدِّمةَ الجنازةِ، بلِ ارفعوا مؤخِّرتَها، وليكن ذلكَ في الظلامِ، وحُدِّدَ لذلكَ بضعةُ أشخاصٍ. فانظروا كم كانتِ المسألةُ حسَّاسةً، أن يُدفنَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلام في الظلامِ لكي لا يأتيَ الأعداءُ ويقصدوا الإهانةَ، لا سمحَ اللهُ. كانت أمورًا عجيبةً جدًا. مقدِّمةُ الجنازةِ يحمِلُها جبرائيلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ، أنتم فقط ارفعوا مؤخِّرةَ النعشِ، واحملوهُ، وحيثما رأيتمُ النعشَ يهبِطُ إلى الأرضِ، فاجلسوا هناكَ واحفروا الأرضَ، وبعدَ بضعِ ضرباتٍ بالفأسِ ستجدونَ صخرةً، فارفعوها وسيظهرُ قبرٌ، هذا هو القبرُ الذي حفرَهُ لي نوحٌ عليه السلام قبلَ الطوفانِ بخمسمائةِ عامٍ، ومكتوبٌ على شاهدِ القبرِ هذا الأمرُ. الآنَ على الصخرةِ التي فوقَ قبرِ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام محفورٌ: «هذا ما حفرَهُ نوحٌ قبلَ الطوفانِ بخمسمائةِ سنةٍ» أو عبارةٌ كهذهِ. ادفنوني هناكَ. وبعدَ ذلكَ طبعًا حدثت مسائلُ ومعاجزُ وخوارقُ للعاداتِ إلى ما شاءَ اللهُ. حسنًا، نحنُ عندما نذهبُ الآنَ للزيارةِ إلى هناكَ، فهذانِ النبيَّانِ موجودانِ أيضًا، لكنَّنا لا نلتفتُ إليهما كثيرًا. فمقامُ أميرِ المؤمنينَ عليه السلام لا يتركُ مجالًا للآخرينَ وليُفكِّرَ الإنسانُ في آدمَ عليه السلام أو نوحٍ عليه السلام هناكَ.
