
هل الفلسفة منفصلة عن الدين؟
كيف نتعامل مع العلوم غير الدينية؟
هل الفلسفة مرفوضة بسبب أصولها اليونانيّة؟ وكيف نتعامل مع العلوم غير الدينيّة كالطب؟ وهل يُقبل الحق بغضّ النظر عن مصدره أم لا بدّ أن يكون مصدره مسلمًا؟ وهل صحيح أنّ الفلسفة التي بين أيدينا يونانيّة؟ وما هو التطوّر الذي حدث فيها على أيدي المسلمين كابن سينا والملا صدرا وابن عربي؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة مبيّنة الفرق بين معرفة الإمام الحقّة والتعلّق بظواهر الأمور كزمن ظهوره.
هل الفلسفة منفصلة عن الدين؟
2أعوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلَّى اللَّهُ عَلَى سيّدِنا ونبيِّنا أبي القاسمِ مُحَمَّدٍ
صلَّى الله عليه وآله وعلى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ
واللَّعنةُ عَلَى أعدائِهم أَجمَعِينَ
كون المعرفة دليلاً على الله قضيّة دليلها معها
«معرفتِي يَا مَولايَ دلِيلِي علَيكَ وحُبِّي لَكَ شفِيعِي إِلَيكَ وَأَنا واثِقٌ مِن دَلِيلِي بِدلالتِكَ وساكِنٌ مِن شَفِيعِي إِلىٰ شفاعتِكَ».
تقدم أنَّ الإمامَ السجادَ عليه السلام قد جعلَ في مسألةِ الدلالةِ والإرشادِ والهدايةِ وفتحِ الطريقِ نحوَ المقصدِ الأعلى والهدفِ الأسمى والغايةِ القُصوى، التي هي معرفةُ ذاتِ الله تعالى، قد جعلَ المعرفةَ دليلًا. وهذا من المسائلِ المعروفةِ لدى أهلِ الفنِّ بـ"القضايا التي قياساتُها معها"، أي القضايا التي دليلُها معها ولا تحتاجُ إلى دليلٍ خارجيٍّ. فمثلاً ما يقولُهُ الأعاظمُ من إكرامِ الكبارِ هو أمرٌ واضحٌ، ولو لم يكن لديكم أيُّة روايةٍ أو نصٍّ في الإسلامِ وفي متونِ أهلِ البيتِ عليهم السلام حولَ إكرامِ الأكبرِ سنًا ولم تسمعوا بهِ ـ لا أقصدُ أنَّهُ غيرُ موجودٍ ـ وقلتُ لكم: أكرِموا الأكبرَ سنًّا، وفكَّرتم في الأمرِ قليلًا للحظات، لوجدتم أنَّهُ كلامٌ حسنٌ ولا يحتاجُ الإنسانُ بالضرورةِ أن يسمعَ هذه المسألةَ من الأعاظمِ. أو مثلًا: يا هذا لا تكذِب، هل يجبُ عليكم حتمًا أن تسمعوا هذا الكلامَ من الأئمةِ عليهم السلام حتى لا تكذبوا؟ فلو لم تكن لدينا آياتٌ قرآنيّةٌ أو أحاديثُ ورواياتٌ عن حُرمةِ الكذبِ، لما كان الكذبُ فيهِ إشكالٌ؟! أكانَ حلالًا طيِّبًا؟! نحن الآنَ وبعدَ أن صارَ لدينا كلُّ هذا، مَن ذا الذي يصدُقُ؟! لدينا كلُّ هذهِ النصوصِ، ومعَ ذلكَ يسمُّونَ الكذب ذكاءً ومهارة وما إلى ذلكَ من الكلامِ. فيا ويلَنا لو لم تكن لدينا هذهِ النصوصُ وتُرِكَ الأمرُ للناسِ وضمائرِهم، حينها لم يكن معلومًا هل كانوا سيصنعونَ من الكذبِ منارةً! إلى أي درجة كانت الأمور ستتفاقم! أو أنَّ الصدقَ حقٌّ وهو الصوابُ وعلى الإنسانِ أن يصدُق، فهذا لا يحتاج إلى دليل. أو أنَّه يجب على الإنسانِ مساعدةُ الضعفاءِ، فهذا لا يحتاجُ إلى دليلٍ، أي أنَّنا لا نحتاجُ لمراجعةِ رواياتِ أهلِ البيتِ عليهم السلام في هذهِ المسألةِ. رواياتُ أهلِ البيتِ عليهم السلام محفوظةٌ في محلِّها، وأحاديثُ وآياتُ القرآنِ محفوظةٌ في محلِّها، لكنَّ هذهِ قضايا قياساتُها معها، أي أنَّ دليلَها وعلَّتَها واضحةٌ وظاهرةٌ من صُلبِ العبارةِ نفسِها.
